في خضم التحديات القاسية التي تواجه الطفولة في عصرنا الراهن، حيث تتداخل التأثيرات الرقمية مع الضغوط النفسية والاجتماعية والأسرية، تأتي المائدة المستديرة التي نظمها المجلس القومي للطفولة والأمومة بالشراكة مع مؤسسة "فاهم" للدعم النفسي ومستشفى "المشفى" ومؤسسة "رزق للتنمية المجتمعية" كبادرة أمل حقيقية، رسخت مبادرة "طفل متوازن.. مجتمع متماسك". اجتمعت هذه المؤسسات لوضع حلول عملية لتنسيق الجهود الوطنية لحماية الأطفال في مصر.
لقد استوقفتني خلال هذا اللقاء الرؤية الشاملة التي قدمتها الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، فقد أكدت العمل الجاري لوضع سياسات حماية واضحة داخل جميع المنشآت التي تتعامل مع الأطفال، وإصدار دليل معياري موحد لحمايتهم. إن هذا النهج المؤسسي يمثل في نظري حجر الأساس لبناء نظام حماية فعال، خاصة مع الدمج بين مبادرة "زرع.. حصد" ومبادرة "طفل متوازن"، مما يخلق تكاملًا نادرًا بين المشاركة من ناحية، والصحة النفسية من ناحية أخرى.
ولا يمكنني إلا أن أتوقف أمام العمق الذي ميز كلمات السفيرة الإنسانة نبيلة مكرم، رئيس مجلس أمناء مؤسسة "فاهم"، عندما وصفت القضية بأنها "موجعة" وأشارت إلى الفجوة الخطيرة بين معاناة الأطفال الداخلية وقدرتهم على التعبير عنها. إن تشبيهها للحاجة إلى "جمع الجهود ووقف كرة النار" يعبر بدقة عن طبيعة التحديات المترابطة التي نواجهها، من تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي إلى تداعيات الذكاء الاصطناعي على الهوية والقيم المجتمعية.
وازداد اقتناعي بجدية هذا المشروع عندما استمعت إلى التطبيقات العملية التي تناولتها الدكتورة شريهان القشاوي من مؤسسة "رزق"، ومن أبرزها إطلاق سلسلة "كامبس" الصيفية لمكافحة التنمر، وكذلك التحليل الدقيق للدكتورة نهلة فرحات من مستشفى "المشفى" لتأثير السوشيال ميديا كسلاح ذي حدين.
إن ما يعزز تفاؤلي بهذه المبادرة هو الطبيعة العملية للتوصيات التي خرجت بها المائدة المستديرة، والتي تمثل في رأيي خارطة طريق واضحة للتقدم وحماية الصغار. فتدريب الأخصائيين النفسيين في المدارس على مبادئ الإسعاف النفسي، وتعزيز التواصل الإيجابي بين المعلمين والطلاب، ومنع العقاب البدني، وتنظيم ندوات دورية، كلها إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم.
ولا أغفل الإشارة إلى أهمية ما ذكرته الدكتورة السنباطي عن دور الدراما والإعلام في تعزيز ثقافة حقوق الطفل، حيث بدأنا نرى ثمار ذلك في زيادة ثقافة الإبلاغ بعد تناول أعمال درامية مثل مسلسل "لام شمسية" لقضايا شائكة.
أرى في هذا التعاون نموذجًا مُلهمًا للتكامل بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، يجمع بين الرؤية الإستراتيجية والعمل الميداني. وإن كان لي أن أضيف شيئًا، فهو التأكيد على أهمية المتابعة المستمرة وتقييم الأثر، وقياس التقدم في مؤشرات الصحة النفسية للأطفال بشكل دوري، مع توسيع نطاق الشراكات لتشمل مؤسسات أخرى فاعلة في المجتمع.
إن حماية أطفالنا واستثمار صحتهم النفسية ليس خيارًا، بل هو واجب وطني وأخلاقي، وهذا التعاون يمثل في نظري بداية الطريق الصحيح لتحقيق هذه الغاية. وإنني على ثقة من أن الجهود التي تقودها السفيرة نبيلة مكرم والدكتورة سحر السنباطي ستؤتي ثمارها، وتُسهم في بناء جيل أكثر وعيًا واتزانًا، قادر على مواجهة تحديات المستقبل وقيادة مسيرة التنمية لهذا الوطن.