يشرح محمد عبد الواحد، الخبير الأمني والمتخصص في الشأن الإفريقي، أسباب تصاعد التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل، ويحلّل جذور الإرهاب، وذلك من خلال نص الحوار التالي.
موضوعات مقترحة
محمد عبد الواحد
تشير المعلومات إلى تصاعد التهديد الإرهابي في الساحل. لماذا؟
محمد عبد الواحد : خلال الأشهر الماضية، شهدت دول الساحل الثلاث — النيجر ومالي وبوركينا فاسو — ارتفاعًا في القدرات العملياتية للجماعات الإرهابية وتصعيدًا كبيرًا في الهجمات المسلحة التي استهدفت قواعد عسكرية ومدنيين، بما في ذلك عمليات منسقة واسعة النطاق خلّفت خسائر بشرية كبيرة. لقد طرأ تطور كبير على قدرات الجماعة التابعه من تنظيم القاعدة، وهي جماعة تحمل بوضوح فكر القاعدة. هذه الجماعة متوغلة بعمق في دول الساحل الثلاث. وخلال الأشهر الأخيرة، تلقت دعمًا وتمويلاً من دول غربية، خاصة بعد الضربات التي كانت قد تلقتها في السنوات الماضية.
لكنها عادت لتنشط بشكل ملحوظ، إذ باتت تمتلك طائرات مسيّرة صغيرة وأسلحة ثقيلة، وهي مؤشرات واضحة على وجود أطراف خارجية تدعمها. وقد تعاظم نفوذ هذه الجماعة خصوصًا في بوركينا فاسو، كما كثّفت خلال الأشهر الستة الأخيرة نشاطها في مالي. ومالي بلد حبيس؛ كل إمداداته من الغذاء والوقود والمواد الأساسية تأتي عبر الدول المجاورة المطلة على المحيط مثل السنغال و موريتانيا وساحل العاج. لذلك تعتمد مالي كليًا على الطرق البرية. ولهذا بدأت الجماعات الإرهابية في اعتماد تكتيك خطير يتمثل في تطويق العاصمة باماكو عبر مهاجمة الطرق المؤدية إليها واستهداف الشاحنات والقوافل. هذا التكتيك أدّى إلى أزمة خانقة في العاصمة، حيث توقفت إمدادات الوقود والنقل والنشاط التجاري، وشُلّت المدينة بالكامل. هذا الأسلوب لا تلجأ إليه إلا جماعة قوية تمتلك مستوى عالياً من المعلومات حول التحركات اللوجستية.
تصاعد التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل
وما هي الجماعات التي تنشط في المنطقة؟
هناك جماعتان أساسيتان: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) الموالية للقاعدة، وولاية الساحل التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (IS-Sahel / ISSP) الموالية لداعش. الجماعتان تتنافسان وتستغلان النزاعات المجتمعية المحلية.
من هي الدول الغربيه التي تدعم هذه الجماعات ؟ ولماذا؟
الدول الغربية التي لها مصلحة في ذلك هي من تقدم هذا الدعم. بدأ الأمر عندما تدخلت روسيا في المنطقة وطردت الوجود الفرنسي والأممي بالكامل. فقد كانت فرنسا تمتلك قوات "برخان" التي تضم 5100 جندي في مالي، وكانت البعثة الأممية هناك أكبر بعثة للأمم المتحدة في العالم بواقع 16,100 عنصر. كما كانت للولايات المتحدة قاعدتان للمسيّرات في النيجر.
هذه القوى طُردت جميعها، رغم مكاسبها الكبيرة من وجودها في المنطقة. لذا بدأت تعيد صياغة استراتيجيتها بالعمل انطلاقًا من دول شمال إفريقيا، خاصة ليبيا، لاستمرار عملياتها في الساحل. الولايات المتحدة والغرب وفرنسا يسعون إلى تقويض النفوذ الروسي واحتواء الطموح الاقتصادي الصيني.
إنه صراع جيوسياسي بالدرجة الأولى. أما الجماعات الإرهابية، فقد يُبالغ في تضخيم خطرها الدعائي لإظهار أن هناك تهديدًا كبيرًا للسلم والأمن الدوليين.
ما هو هدف الدول الغربية؟
الهدف واضح: إخراج النفوذ الروسي من منطقة الساحل. فخلال السنوات الأخيرة، بات الحضور الروسي قويًا جدًا في النيجر ومالي وبوركينا فاسو. وقد دعمت روسيا المجالس العسكرية وساعدتها في تحقيق انقلاباتها عبر ما يُعرف اليوم بـ "الفيلق الإفريقي" (Africa Corps)، وهو الاسم الجديد لما كان يُعرف سابقًا بـ"فاجنر". هذه القوات سلّحت تلك الأنظمة وسيطرت معها على مناطق جيواستراتيجية مهمة، بما في ذلك مناجم الذهب وحقول اليورانيوم. ومؤخرًا كشفت أجهزة الاستخبارات الأمريكية عن وجود اتفاق غير معلن لنقل اليورانيوم من النيجر إلى روسيا، وهو ما يقلق الدول الغربية.
لذلك فالصراع في الساحل هو صراع بين القوى الكبرى. وقد دعا الأمين العام للأمم المتحده غوتيريش إلى تعزيز الوحدة الإقليمية في مواجهة الإرهاب في غرب إفريقيا والساحل. وفي الفترة المقبلة قد نسمع عن تحالف دولي جديد ضد الإرهاب، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة لتقليص النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وسوريا. ومن المرجح أن يبدأ التحرك من ليبيا ثم يمتد إلى منطقة الساحل لوقف التقدم الروسي.
الأمم المتحدة ترغب في تعزيز جهود مكافحة الإرهاب، لكنها عاجزة تماما وليس لها نفوذ فعلي في المنطقة. كانت الدول الثلاث جزءًا من الإيكواس (ECOWAS)، التي كانت لديها مبادرات وتمويلات لمكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا. لكن بعد الانقلابات، هددت الإيكواس بالتدخل العسكري في النيجر، فرفضت الدول الثلاث ذلك وانسحبت من المنظمة لتفادي هذا التهديد.
هل هناك خطر من امتداد الإرهاب إلى دول مجاورة مثل تشاد وليبيا؟
بالتأكيد، وحتى السودان. فكما هو الحال في ليبيا، يشكّل السودان بيئة مناسبة للتمدد الإرهابي: انتشار الجريمة المنظمة، وارتباط الإرهاب بشبكات التهريب والجريمة. كما أن العنف يمتد إلى حدود تشاد، وهناك مؤشرات على توجه الجماعات نحو دول غرب إفريقيا الساحلية مثل غينيا.
تصاعد التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل
ما العوامل التي تساعد على توسع نفوذ هذه الجماعات؟
الخلافات الداخلية والثنائية في المنطقة. إضافة إلى ذلك، هناك عوامل عديدة: الروابط القبلية، حيث توفر بعض القبائل ملاذًا للجماعات؛ الفقر والبطالة اللذان يسهلان تجنيد الشباب؛ التمييز والتهميش في الشمال؛ والاستخدام المفرط للقوة من قبل السلطات أو "الفيلق الإفريقي" ضد بعض المكونات القبلية.
ما السيناريوهات أو الحلول المطروحة لمواجهة هذه الجماعات؟
إنها عملية شديدة التعقيد وتتطلب عدة مسارات متزامنة: القضاء على قادة الجماعات الإرهابية، تجفيف مصادر التمويل ومعاقبة الشركات والدول التي تدعم هذه الجماعات لتحقيق مكاسب جيوسياسية، تنفيذ برامج لمكافحة التطرف، خلق فرص عمل وتقليل الفقر وضمان توزيع عادل للثروات، معالجة الأزمات السياسية والشرعية التي تمنح الإرهابيين فرصة لاستغلال الغضب الشعبي.ويجب على المجتمع الدولي ممارسة ضغوط قوية لبذل جهود حقيقية للقضاء على الإرهاب بدلاً من استغلاله لتحقيق أهداف سياسية.
ما التوصيات لتجاوز هذا الصراع؟
هناك خطط عدة يجب تنفيذها بطريقه متوازيه اي في وقت واحد: تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين دول الساحل وجيرانها في غرب وشمال إفريقيا.
تحسين مراقبة الحدود وتتبع تحركات الجماعات عبر الشبكات اللوجستية. اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والعدل. الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة لإعادة الثقة بين السكان والسلطات.
احترام حقوق الإنسان لمنع تغذية خطاب الجماعات المتطرفة. معالجة ملف المرتزقة والقوات الأجنبية بآليات شفافة وخاضعة للمساءلة الدولية.
وما هو دور فاجنر / الفيلق الإفريقي؟
بعد خروج القوات الغربية، استعانت أنظمة الساحل العسكرية بالدعم الروسي الذي شمل وجود مقاتلين مرتزقة (فاجنر سابقًا، الفيلق الإفريقي لاحقًا).
ورغم تقديمه كدعم لمكافحة الإرهاب، إلا أنه أثار مخاوف بسبب التقارير عن الانتهاكات وتورطه في مصالح اقتصادية. هذا الحضور غيّر توازنات المنطقة: فبينما عزز القدرات العسكرية في بعض الحالات، إلا أنه فاقم التوترات الاجتماعية والسياسية في حالات أخرى.
أمام مجلس الأمن، تحدثت "كونفدرالية دول الساحل" عن رؤية لـ «تعاون إقليمي مُعاد تأسيسه». ما المقصود؟
قدّمت كونفدرالية دول الساحل — مالي وبوركينا فاسو والنيجر — رؤية تهدف إلى بناء منظومة أمنية مستقلة تقوم على السيادة والتنسيق بين دول الساحل بعيدًا عن نماذج الشراكات السابقة. وترى دول الكونفدرالية أن تدخلات الماضي، بما فيها المهام الأممية، لم تكن فعالة ولم تأخذ بالاعتبار واقع المنطقة. ومن خلال انتقاد «الوصاية» و«الممارسات السابقة»، تطالب الدول الثلاث بتعاون دولي خالٍ من الضغوط، حيث يكون الشركاء داعمين لا موجّهين.وتتمثل نتائج هذا التوجه في عده جوانب. فمن الجانب إقليميً: تأكيد استقلالية دول الكونفدرالية وأعاده رسم موازين القوى في غرب إفريقيا، بما يفاقم التوتر مع الإيكواس. من الجانب الدوليً : توجيه رسالة قوية للأمم المتحدة والقوى الكبرى بضرورة تغيير المقاربات الأمنية واحترام خيارات دول الساحل. و أيضا تعزيز النزعة السيادية في الدول الثلاث مع التساؤل حول قدرتها الفعلية على بناء منظومة أمنية مستقلة و فعاله.
.. نقلًا عن الأهرام إبدو