{وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ} صوتٌ هزَّ بروعته الكون كله. أعذب صوت على وجه الأرض، صوت نبي الله داود، عليه السلام، وهو يتلو الزبور بأكثر من سبعين طريقة.
لقد أطرب صوته الجميل المخلوقات كلها، حتى الحيوانات والجمادات؛ ففور شروعه في القراءة، تتجمع الطيور والوحوش والحيوانات حوله للاستماع والاستمتاع بتلاوته.
والطير تعزف معه موسيقى التسبيح في مشهد يتجاوز الخيال:
{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ}
الجبال كذلك، يأمرها الله تعالى أيضًا، بالانضمام لهذه الفرقة الموسيقية العظيمة:
{يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}
يعني سبّحوا جميعًا لما يسبّح، واسكتوا حين يسكت! أوركسترا من الخلائق كلها، تعزف سيمفونية شديدة الروعة والإبداع!
{يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ}
تسبيح منتظم، أوقاته معلومة، العشيّ من بعد العصر لليل، والإشراق وقت الضحى.
{وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ}
أي تتزاحم للتسبيح، في طاعة وتناغم، لم تتسبب أعدادها الضخمة ولو في خطأ واحد في اللحن!
كانت الحدادة مهنة نبي الله داود، وهي كل ما يُصنع من الحديد، يشكله كيفما شاء بيده دون مطارق! وهذه معجزة كبرى:
{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}
فصنع دروع تسليح الجيش:
{أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ}
"سابغات" تعني الدرع الذي يحمي الصدر. أما "وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ"، فتعني قم بحساب قدر الحلقات التي تضع فيها مسامير الدرع، وصِل مقدمة الدرع من الأمام بنهايته من الخلف وأربطهما. وهذه تقنية عالية في الصناعة، نسميها الآن دقة الصنعة ومتانتها.
عُرِفَ داود خلال حُكمه بالعدل الشديد:
{وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}
وكان يملك من رجاحة العقل وقوة المنطق ما يجعل المتخاصمين يرضون بحكمه.
قسَّم داود الدهر ثلاثة أيام: يوم يقضي فيه بين الناس، ويوم يخلو فيه للعبادة، وثالث لأهله وعمله.
وبينما داود يتعبد ليلًا، قفز اثنان من فوق سور محرابه. يبدو أن صاحب الحاجة فيهما أرعن مُتهوِّر:
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ}
داود لم يتكلم، وظل مُراقبًا.
{قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ}
يعني لا تبتعد عن الحق. وهذه كلمة كان الغرض منها استفزازه؛ لقياس مدى ثباته الانفعالي!
{وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ}
توقع داود أن الموضوع خطير لا يحتمل التأجيل. وبدأ أحدهما يعرض حُجته قائلًا:
{إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}
"أَكْفِلْنِيهَا" يعني تنازل ليَّ عنها، أرعها مع غنمي. "وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" محاولًا إقناعي بأنها عندي وحيدة، وبأنني فقير لا أستطيع الإنفاق عليها، وألَحَّ في طلبه كثيرًا. ولو زاد الخلاف بيننا، ربما أخذها بالقوة!
ظاهر القول واضح؛ فالغني نَهِمٌ طامع، كل همه أن يُكمل المائة ويتخطى خانة العشرات، حتى لو أصبح أخوه صفرًا.
غضب داود من هذا الظلم البَيِّن، وانفعل، وساق حيثيات الحكم:
{قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}
وهنا اختفى الرجلان! فأدرك داود أنهما ملكان، نزلا في صورة بشر، ليُعلّماه عدم التسرع في الحكم قبل الاستماع للطرف الثاني.
{وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}
كان الاستماع لطرف واحد خطأ داود، ودرس ربه سبحانه إليه:
{وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}
"أَنَابَ" يعني سارع بالتوبة، إذ سيُوَرِّث ابنه سليمان الحكمة، فيجب عليه فورًا تصحيح الخطأ دون تأخير.
كذلك أراد الله تعالى بحكمته أن يُعطينا درسًا مهمًا، خلاصته أن أكثر الناس حكمة قد يخطئون. ورغم أن الأنبياء معصومون، لكنَّ أخطاءهم البسيطة، إن جاز التعبير، دروس لنا.
{فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ}
يعني درجة شديدة من القُرب وعلو المكانة، ويوم القيامة منزلة أكبر وأعظم.
داود هو القدوة لكل نبي بعده، ولكل قاضٍ، ولكل حاكم:
{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}
وهذه رسالة الله تعالى لداود ومَن بعده إلى يوم القيامة:
{إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}
داود نبي عظيم، وحاكم عادل، جمع الله له معجزات عدة، منها المتناقض، فهو عازف بالكلمات، فنان مُبدع، وفي الوقت نفسه حداد، تعامله مع الحديد وهو من أصلب المعادن وأشدها قسوة. فكيف الجمع بين معجزتي الرقة والصلابة؟! جمعٌ فقط أوجده الله!
داود صاحب مملكة عظيمة، وحكمة فريدة، وعبقرية نادرة، تمنع وقوع أي خطأ في القضاء، ورغم ذلك وقع الخطأ؛ لنقص ركن أصيل من أركان القضية.