رهان السلطان هيثم

26-11-2025 | 13:42

سلطنة عُمان تبدو حالةً متفردةً في عالمها العربي المملوء بالتوتر والنزاعات؛ فقد جمعت ما بين "القرار المستقل"، و"الصداقة مع الجميع". وهذه السلطنة الهادئة يطرق الفرقاء بابها، ويطلبون وساطتها، وهي لا تمتنع ولا تتباهى، بل تحفظ الأسرار، وتنجح في فرض نفسها "وجهةً مهمةً"عندما تتعقد الأمور.

تُرى لماذا استقرت محبة سلطنة عُمان في قلوب العرب عامةً، والمصريين خاصةً، ولمَ تمكنت من انتزاع "مكانةٍ متفردةٍ" في محيطها الإقليمي، سواء في عهد السلطان قابوس أو السلطان هيثم بن طارق البوسعيدي "القائد الذي يصنع عُمان الجديدة".

ومما لا شك فيه أن تاريخ عُمان يدعو للفخر لكل العرب، ولقد شارك الكثير من المصريين باحتفالية اليوم الوطني لعُمان، وهو ما يجسّد احتفاء سلطنة عُمان بتاريخها العريق الممتد منذ تأسيس الدولة البوسعيدية على يد الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي عام 1744م.

وأكد عبد الله بن ناصر الرحبي سفير سلطنة عُمان لدى مصر أن هذه المناسبة فرصة لتكريم سلاطين عُمان الذين حملوا الأمانة بإخلاص، ومناسبة للاحتفاء بما تحقق من منجزات منذ انطلاق النهضة المباركة عام 1970م على يد السلطان قابوس بن سعيد، والتي تواصلت وترسخت اليوم بقيادة السلطان هيثم بن طارق برؤيةٍ متجددةٍ تمزج بين الأصالة والتحديث، وتستشرف مستقبلًا مستدامًا مزدهرًا.

ويراهن السلطان هيثم على رؤية عُمان 2040، وهي الإطار الإستراتيجي الذي يوجّه مسار التنمية في السلطنة نحو اقتصادٍ متنوعٍ قائمٍ على الابتكار والمعرفة، مع تعزيز دور القطاع الخاص وجذب الاستثمارات، وتحقيق تنميةٍ بشريةٍ متوازنةٍ تركز على التعليم والمهارات وريادة الأعمال. كما تهدف الرؤية إلى بناء إدارة حكومية أكثر كفاءة وشفافية، وتطوير البنية الأساسية والتقنية، وحماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية، وتحسين جودة الحياة للمجتمع العُماني عبر خدمات صحية وتعليمية متقدمة، بما يجعل السلطنة دولةً مزدهرةً ذات اقتصادٍ تنافسي ومجتمعٍ منتج ومؤسساتٍ قويةٍ بحلول عام 2040.

ويؤمن السلطان هيثم بأن النهضة لا تتحقق إلا بتكاتف الجميع. ورغم إلحاح القضايا المالية والاقتصادية في اللحظة التي جاء فيها للحكم إلا أنه لم يتجاوز الاهتمام بالقضايا الثقافية وترسيخ الهوية الوطنية والتمسك بكل قوة بالقيم والمبادئ الأخلاقية التي تبقى صمام الأمان لأي مجتمع. ويبقى الحفاظ عليها أحد أهم أولويات القائد الذي تنطلق رؤيته من عمق مجتمعه وثقافته.

ولقد كان هذا المسار الإصلاحي الهمَّ الأول والأساسي الذي شغل السلطان هيثم منذ بداية عهده، لكنه لم يكن الهمَّ الوحيد؛ فقد كانت السياسة الخارجية مُلحةً جدًا نظرًا للأحداث الكبرى التي كانت تتشكل في العالم. لقد حافظت السلطنة على نظرية الحياد الإيجابي الذي تتبناه عُمان في سياستها الخارجية، وأضاف السلطان رؤيتَه الخاصة التي تعزز من دور عُمان كوسيطٍ موثوقٍ ومؤثرٍ في 

الإقليم. ورغم الأحداث الكبرى والفاصلة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأربع الماضية إلا أن عُمان لم تُفرِّط في مبادئها السياسية الراسخة، بل زاد تمسكها بها، ونستطيع فهم ذلك من خلال قراءة مواقفها من الحرب الظالمة على قطاع غزة. لقد أكسب السلطان هيثم السياسة الخارجية العُمانية زخمًا جديدًا يجمع بين الحوار والسعي لتحقيق السلام في منطقة تعصف بها التوترات ولكن دون تفريط في المبادئ والقيم، وأعطى خلال أحداث كبيرة مُحيطة بعُمان درسًا مهمًا في الحفاظ على استقلال القرار السياسي وعدم التأثر بالأحداث ولكن، أيضًا، دون تفريط في العلاقات الطيبة مع دول العالم.

ووفقاً للدراسات البحثية الغربية فإن أهم مميزات سياسة سلطنة عُمان هي: الحياد الإستراتيجي، دور الوساطة، ثقافة استراتيجية خاصة، الدبلوماسية المتخصصة، استمرارية في السياسة، الثقة والدبلوماسية الناعمة.

وتؤكد العديد من الأوراق البحثية الغربية أن عُمان تتبع سياسةً خارجيةً مستقلةً ولا تنحاز بسهولة إلى أي قطب إقليمي قوي. وفي دراسة لـ J. Worrall نُشرت عام 2021، يُشير إلى أن عُمان باتت تُعتبر "قوة وسيطة" رئيسية في الخليج والشرق الأوسط. وتستخدم عُمان عامل الثقة كأداةٍ مركزيةٍ في دبلوماسيتها من خلال العلاقات المتوازنة مع إيران والدول الغربية.

ومن ناحية أخرى يُظهر العديد من الأبحاث الأكاديمية أن الثقافة الاستراتيجية العُمانية متجذّرة في الموروث الإباضي، وهو ما يؤثر على مواقف السلطنة الدولية.

وهناك تحليل آخر يتناول البنية الداخلية لعُمان، وكيف تساهم في تشكيل سلوكها الخارجي المتوازن والواقعي. وهذه الثقافة تتيح لعُمان أن تكون دولة "قوة متوسطة"، ولكنها ذات تأثير ناعم كبير عبر الوساطة والدبلوماسية الذكية.

وتتميز سياسة عُمان الخارجية بالاستمرارية عبر فترات حكم السلطان قابوس وحتى السلطان هيثم، وهذه الاستمرارية تمنح عُمان مصداقية، فهي ليست دولةً تُغيِّر مواقفها بسرعة حسب الأهواء، بل تعتمد على إطار استراتيجي ثابت إلى حد كبير.

وتعتمد سياسة عُمان كثيرًا على "القوة الناعمة"، وذلك من خلال الحوار، الثقة، والدبلوماسية غير الرسمية.

وهذه الوسائل تعزز من إمكانية عُمان أن تكون جسرًا بين القوى المتنازعة، خصوصًا في قضايا حساسة مثل الملف النووي الإيراني.

ويشير الخبراء إلى أنه مع صعود التوترات الإقليمية، فإن الحفاظ على هذا الحياد ليس سهلًا دائمًا، وفي الوقت نفسه فإن دور الوسيط قد يكون صعبًا للغاية.

وثمة حقيقة نادرة في عالمٍ تتغيّر فيه الوجوه والاتجاهات بسرعة، تبقى بعض الأوطان ثابتةً على قيمها، كأنها جبلٌ راسخٌ منذ بدء الخليقة لم يتزحزح. وحين نتحدث عن سلطنة عُمان، نتحدث عن وطنٍ لم يسعَ إلى لفت الأنظار بالضجيج، بل جذب الاحترام بهدوئه، وأصالته التي لا تحتاج إلى دليل. فهي أرض جمعت بين حضارةٍ ممتدةٍ في التاريخ، وحاضرٍ متوازن، ومستقبلٍ تُخطط له بخطوات محسوبة. هكذا رأت الشيخة حصة الحمود السالم الصباح سلطنة عُمان في مقال بجريدة الصباح الكويتية بعنوان "عُمان والكويت.. محبة راسخة ومواقف لا تنسى".

ويبقى في النهاية أن هذه "روح عُمان"، وعلى الأرجح أن السلطان هيثم سوف يكسب الرهان على "عُمان الجديدة"، والتي ستكون سندًا لأمتها العربية والإسلامية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: