خفافيش الليل في المعادي

26-11-2025 | 13:20

يتلقى الكاتب رسائل الناس على الدوام. لا يُهملها كي يبقى مُنخرِطًا في الواقع والحياة. وهو أيضًا يُرسل - في كتابته - الرسائل باستمرار. هنا؛ في السطور المُقبلة، رسالة لصاحبها، تحكي حكاية.

أهذا مقال صحفي أم قصة قصيرة أم رسالة قارئ؟!.. لا يهم. أحب التلاعب دومًا بأجناس الكتابة. المُهم هو جاذبية النص، والقدرة على «الإمساك بتلابيب القارئ» لِيُواصل القراءة، حسب تعريف الكاتب فاروق خورشيد لـ«المُقدمة الصحفية الناجحة»، وإن كنتُ أعتبر التعريف يمتد ليشمل أي نص مكتوب، حتى آخر سطر. دَعْكَ الآن من كل هذا. لا تهتم. تعالَ لنرى ماذا يريد أن يقول صاحب الرسالة. والآن تبدأ الحكاية.

عزيزي.. قد تظن بفعل العنوان: «خفافيش الليل في المعادي» أن رسالتي هذه تُناقش قضية خطيرة، حول إرهاب أو فساد أو جريمة، تجري وقائعها تحت جُنح الظلام في الحي الراقي، لكنني أعتذر. الأمر أبسط كثيرًا من هذا. الأمر يتعلق بالفعل بـ«الخفاش». نعم نعم.. ذلك الطائر الذي نُسميه في مصر «الوطواط»، ونَنسج حوله الأساطير مدَّعين أنه لو التصق بوجه شخص فإنه «ما يَطلعش إلا بالطبل البلدي»!

اضحك معي يا عزيزي. تَخيل شخصًا يصرخ ويُصارع خفَّاشًا مُلتصِقًا بوجهه، بينما يَضطر المُحيطون به إلى إحضار «طبلة بلدي» سريعًا والبدء بالضرب عليها: «دوم دوم تك دوم تك...»، حتى يَسمع الخفاش الإيقاع فَيَطير! لو صح هذا فإنني أسجل إعجابي بذوق «الخفاش الفنان»! كم نحن طيبون ظُرفاء!

على أي حال. مُنذ انتقالي قبل ثلاثين عامًا وأكثر لسُكنى حي المعادي، لفت نظري انتشار طائر الخفاش هناك خصوصًا في الليل. لماذا اختار الإقامة في المعادي بالتحديد؟! لا أدري! هذا عمومًا يُعزز فرضية الذوق الرفيع لدى الطائر الصغير.

انظر. أنا شخص لا يخاف الحيوانات والطيور بوجه عام، وليس لديَّ «فوبيا الحشرات» كالنساء، فلا تَرسِم عني تلك الصورة الذهنية الخاطئة حول «المواطن المَعدّاوي الطري»، لكن.. لقد صار هذا الطائر الفنان - بصراحة - يُؤرِّق راحتي. وسأشرح لك.

في هَدأة الليل، تحت سماء تَرفُّ فوق سُكونٍ شامِلٍ مُحيط، يَطيب لي أن أرتشف من فنجان قهوتي في شُرفتي، على وَقع نغمات هادئة تَصدح بها إذاعة «البرنامج الموسيقي» جِواري. يا للجَمال! أليس كذلك؟! لكن.. صار هذا أمرًا صعب المَنال. لماذا؟! السبب هو خفافيش الليل!

لقد أصبحتْ هذه الطيور أكثر جُرأة بشكل واضح يا عزيزي. صارت تفعل كل ما يَحلو لها دون رادع أو خوف. تقترب من شُرفتي كثيرًا وتكاد تَصطدم بوجهي. ومن أين لي في هذه الساعة بـ«طبل بلدي»؟! لستُ مجنونًا تمامًا. ربما أقف على أعتاب الجنون فقط. لكنني أظل أَنْهرُها بحرف واحد: «شششش شششش» لعلها تَبتعد. ولا فائدة!

عندما كنتُ طفلًا، شاهدتُ في برنامج «نادي السينما» بالتليفزيون فيلم «الطيور». سمعتُ الدكتورة درية شرف الدين تتحدث في مُقدمة البرنامج عن أهمية وعظمة الفيلم للمخرج العالمي ألفريد هيتشكوك. تعاملتُ وقتها مع الفيلم بحكم صِغر السن باعتبار أنه فيلم رُعب، حتى داهمتني بعد سنين جُملة فارقة.

الجملة قالها مُدرس العربي في الثانوي الأستاذ مَرسى أبوالعز في حوار قصير لطيف على هامش الدرس. تحدث عن الفيلم بإعجاب ثم وجدته يقول: «طبعًا الطيور التي تُهاجم البشر في الفيلم هي رَمز لمُعاناة الإنسان في الأرض والمآسي والهموم التي تُحاصره»! ما هذا؟! لعله كان أول درس بدائي بسيط لي في النقد الفني، ودعوة دائمة لاستكشاف ما وراء الحكاية، وما بين السطور!

الحكاية في فيلم «الطيور» تدور حول «ميليني» المرأة الثرية الراقية التي تلتقي مُحاميًا وسيمًا في مَحل لبيع طيور الزينة، فَتُعجب به وتُقرر مُطاردته للارتباط به. تُسافر حيث يَقضي إجازته الأسبوعية مع أمه وشقيقته في مدينة ساحلية، وهناك تَتعرض كما سُكان المدينة لهجوم غامض عجيب من الطيور، التي تتزايد أعدادها وشَراستها إلى درجة قتل البشر.

كبرتُ أكثر وعرفت. الفيلم من إنتاج عام 1963 عن قصة قصيرة للكاتبة دافني مورييه ضمن مجموعتها القصصية «شجرة التفاح»، وكتب السيناريو إيفان هانتر. ولأجل التصوير تم صناعة طيور ميكانيكية، بالإضافة إلى استخدام غِربان ونوارس حقيقية، والعجيب أن المُمثلة الجميلة تيبي هيدرين التي لعبت دور البطولة اتهمت المخرج هيتشكوك بعد الفيلم بأنه قصد استخدام طيور حقيقية في بعض المشاهد انتقامًا منها «لأنها لم تتجاوب مع عواطفه الخاصة تجاهها»!

في كل الأحوال، تعددت التفسيرات النقدية للفيلم حول الحب والعنف ورمزية الطيور إلى الحروب والصراعات والأوبئة واحتمال اختفاء الوجود البشري، أما هيتشكوك نفسه فقد صرح قائلًا: «إن الطريقة الوحيدة للتخلص من مخاوفي هي صناعة أفلام عنها».

وهأنذا يا عزيزي أكتب لك رسالتي للتخلص من مخاوفي. تُحاصرني خفافيش الليل من كل حَدب وصَوب. والمُشكلة أنها تأتيني دائمًا بينما العقل مشغول، يَبغي الهدوء كي يُدرِك الحُلول. ماذا أفعل؟!.. ماذا نفعل؟!.. يَنقضي العُمر ولا نزال في الدوائر ندور. بين الواقع والأفكار. بين المُتحقق والمأمول. حِصار الأزمات المادية وتحليق الأحلام المعنوية. تحطيم إرادة الفرد وضربات أجنحة الخفافيش. كيف وإلى أين المسير؟!.. كيف سيكون الحال في الغد؟!.. أَمَا من مَفَر؟!.. أَلا بد أن يُهاجر الصِغار كما الطيور؟!.. أسئلة وأسئلة. بين رَحاها نظل ندور. وندور!

فجأة. تَصدح جِواري من مِذياع أبي القديم موسيقى أُحبها. الموسيقى لأغنية خالدة اسمها «طواحين الهواء في عقلك»، من فيلم «قضية توماس كراون» عام 1968. كتب كلماتها شاعر وشاعرة، زوجان أمريكيان، هما آلان ومارلين بيرجمان، وحصلا عنها على جائزة الأوسكار. تقول

كلمات الأغنية:

«تَدور / مثل دائرةٍ في دَوامة / مثل عَجلةٍ داخل عَجلة / لا تنتهي أبدًا أو تبدأ / مثل كرة ثلجٍ أسفل جَبل / والعالم كتُفاحة / تَدور صَمتًا في الفضاء / مثل نَفقٍ تَتْبعه / إلى نَفقٍ داخله / أسفل غَوْرٍ إلى كَهف / حيث لم تَظهر الشمسُ أبدًا / مثل الدوائر التي تجدها / في طَواحين الهواء بعقلِك...
مفاتيح تُجلجِل في جَيبك / كلمات تَثرثر في رأسك: / لماذا ذهب الصيف سُرعةً؟! / أكان ذلك شيئًا قلتُه؟! / يَمشي العُشاق بطول الشاطئ / تاركين آثار أقدامٍ في الرمال / هل قَرع الطبول من بعيد هو مُجرد صوت أصابع يدك؟! / صُوَرٌ مُعلَّقةٌ في رَدهة / وشَظيةٌ من أغنية / أسماءٌ ووُجوهٌ نصف باقيةٍ في الذاكرة / لكن لِمن هي؟!...

عندما عَلِمتَ أنها النهاية / أصبحتَ مُدرِكًا فجأةً / أن أوراق الخريف كانت تَستحيلُ إلى لون شَعرِها!».

هذا يا عزيزي ما جرى معي. لا أدري إن كانت تَهمك رسالتي. لكنني في شُرفتي ما زلت لا أدري. كيف يمكنني مُواجهة الخفافيش أو طَواحين الهواء في عقلي؟!.. ما أعرفه هنا فقط هو: «لون شَعرِها». ولا تسألني من هي. أَحبيبةٌ أم وَطن أم حُلم أم أُمنية؟!.. لا يهم. المُهم وما أتمناه بصدق أن تَختفي الخفافيش ويَتوقف الضجيج: «شششششششش»!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: