26-11-2025 | 16:11

لم تكن ليلة نهائي دوري المرتبط لكرة السلة بين الأهلي والاتحاد السكندري مجرد أزمة عابرة في لعبة جماعية، بل كانت مشهدًا بغيضًا يعكس بوضوح حجم التوتر الذي تعيشه الرياضة المصرية، وكيف يمكن لشرارة صغيرة في مباراة للشباب أن تتحول إلى كرة نار تبتلع بطولة كاملة، وتضع اتحاد اللعبة في موقف لم يكن مستعدًا له، وتجبر الجماهير على مشاهدة نهاية حزينة لم تكن في الحسبان.

فالمباراة التي ظلت معلقة من السابعة حتى العاشرة والنصف دون أن تُلعب، لم تكن مجرد مواجهة في كرة السلة، بل كانت حلقة جديدة في مسلسل الكراهية التاريخي بين لاعبي ومسئولي وجماهير الأندية الشعبية في مصر، والذي يطل علينا مرارًا بوجهه القبيح.

أزمة نهائي دوري المرتبط لكرة السلة لم تبدأ في موعد المباراة الرسمية بين الأهلي والاتحاد، بل بدأت قبلها بساعات قبيل نهاية مباراة الشباب بين الفريقين، ففي لحظة انفعال من لاعب الاتحاد الشاب، قذف الكرة بوجه منافسه الأهلاوي، وكانت تلك الشرارة الصغيرة التي كشفت النار الكبيرة.

اشتباكات وتوتر بين اللاعبين والأجهزة الفنية للفريقين، وهتافات نارية من الجماهير، لتظهر الأبعاد الحقيقية للمشهد، جمهور غاضب سريع الاشتعال، أجهزة فنية تعيش تحت الضغط، ولاعبون تحوّلوا من رياضيين إلى طرف في معركة انتماء.

وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه أصدر اتحاد اللعبة قراره بإقامة مباراة الكبار دون جمهور، ليتحول الأمر كالعادة إلى صراع مواقف، فالاتحاد السكندري يرفض اللعب دون جماهيره، واتحاد السلة يتمسك بقراره، لتبدأ فقرة المفاوضات والمساومات المعتادة، والتي استمرت لساعات بين التأجيل ومحاولات الإقناع وإخلاء المدرجات، وحتى اللحظة الأخيرة، ظل كل طرف متشبثًا برؤيته، حتى انسحب الاتحاد، وتم إعلان فوز الأهلي اعتباريًا، انتهت المباراة قبل أن تبدأ، لكن الأزمة الحقيقية بدأت من تلك اللحظة.

ما حدث خارج الملعب أخطر

بعيدًا عن حسابات البطولة والانسحاب والفوز الاعتباري، فقد خسر الجميع خارج الملعب، وكشفت هذه الأزمة واقعًا أكبر بكثير من مجرد مباراة كرة سلة، نحن أمام ظاهرة لم تعد مرتبطة بنادٍ أو بطولة بعينها، فالأمر تكرر كثيرًا من قبل، وإن اختلفت الأسماء واللعبات، وبات متعلقًا بثقافة رياضية كاملة تتغير ملامحها باستمرار، وتسير نحو الأسوأ يومًا بعد يوم.

والجلي أن هناك عدة جوانب سلبية أصبحت واضحة لكل متابع للمشهد الرياضي المصري:

أولًا: الجمهور لم يعد يلتزم بمكانه الطبيعي في المدرجات أو أمام شاشات التليفزيون، بل أصبح في قلب القرار، حضوره أو غيابه أصبح ورقة تفاوض، صوته قادر على تغيير قرارات، وتحويل سيناريو بطولة كاملة، وهذا في حد ذاته نقطة خطيرة إن لم تُدر بحكمة.

وللأسف في زمن السوشيال ميديا وسطوتها، بات استخدام إدارات الأندية لجماهيرها كورقة ضغط في المعادلة أمرًا شديد الخطورة، فالمساحة المفتوحة التي تمنحها منصات التواصل الاجتماعي لأي صوت ـ مهما كان غاضبًا أو مندفعًا ـ جعلت من السهل تعبئة الجماهير في دقائق، وتوجيه موجات رأي يمكنها أن تهز قرارًا أو تشعل صدامًا أو تضع المنظومة الرياضية بالكامل في مأزق.

والأخطر أن بعض الإدارات باتت تتعامل مع هذه الموجات بوصفها «رصيدًا قابلًا للاستخدام» لا «مسئولية تحتاج إلى إدارة»، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة إذا لم يتم تدارك هذا المسار مبكرًا، والتصدي له بقوة وحزم، حفاظًا على استقرار الرياضة قبل كل شيء.

ثانيًا: إدارات الأندية أصبحت تتعامل مع المنافسة كأنها "معركة هيبة" لا "مباراة رياضية"، فالغرض الرئيسي من المنافسات الرياضية هو بناء الجسد، وتهذيب النفس، ثم إمتاع الجماهير، والمنافسة الشريفة على البطولات وتقبل الفوز والخسارة، وليس هناك غضاضة من الانتماء للنادي والدفاع عن حقوقه المشروعة، لكن إذا تحول الأمر إلى حرب انتماءات، ودفاع عن الوجود والهيبة، فقد ابتعدنا تمامًا عن جوهر الرياضة، ودخلنا منطقة تسيء لها وتنقض أهدافها الأساسية.

ثالثًا: ضعف المسئولين ولعبة التوازانات، فعندما يفرط المسئول في دوره الأساسي في قيادة المنظومة بعدالة وحزم وتحقيق الانضباط، ويسعى لتحقيق التوازنات وإرضاء جميع الأطراف ولا سيما (الكبار منهم)، تصبح قراراته معرضة للتشكيك حتى لو كانت صحيحة.

وإذا ما أراد مسئولو الرياضة المصرية، وعلى رأسهم وزارة الشباب والرياضة، واللجنة الأوليمبية المصرية، ورؤساء الاتحادات والأندية تجنب تكرار هذا المشهد البغيض، فهناك إجراءات ضرورية يجب الشروع في تنفيذها فورًا، وعلى رأسها:

1. إرساء القوانين العادلة وتطبيقها بحزم على الجميع دون النظر للألوان والأهواء، والبعد عن التوازنات ومحاولات إرضاء (الكبار) وعلى رأسهم الأهلي والزمالك، فأحيانًا قد يكون القرار صحيحًا، لكنه يفقد قوته إن لم يكن مقنعًا للجميع، ومستندًا إلى لوائح وقوانين محددة.

2. إعادة تعريف دور الجمهور، فالجمهور قيمة كبيرة، لكن قيمته لا تتحقق إلا بوجود قواعد واضحة تحكم تصرفاته، وتحدد دوره دون إفراط أو تفريط.

3. فن إدارة الأزمات واحتوائها بذكاء وسرعة أكبر، والتعامل معها قبل تفاقمها وتحولها إلى أزمة يصعب السيطرة عليها.

وأخيرًا، ربما أساء هذا المشهد كسوابقه إلى صورة الرياضة المصرية، لكنه قد يمنح المسئولين فرصة للنظر في المرآة، وإعادة حساباتهم من جديد، ففي كثير من الأحيان، تكون نتيجة مباراة لم تُلعب أهم بكثير من المباراة التي تُلعب.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
وتستمر الكراهية (2)

وكأنما هي مشاجرة شوارع، وليست لحظات من المفترض أن تكون احتفالية عقب مباراة كرة قدم، للأسف كان المشهد بغيضًا للغاية من بعض لاعبي وجماهير الأهلي والزمالك

حفلات الكراهية

هل تستمتع بإيذاء أصدقائك، وأخوتك، وأقرب الناس إليك؟ بالطبع سيجيب كل منا عن هذا السؤال بشكل حاسم: لا، وفي يقينه إنه لا يمكن أن يفعل ذلك، ولكن الحقيقة للأسف

أندية "الغلابة".. وتأجيل قمة الأهلي والزمالك

​برغم أهميتها، لم تحظ أزمة أندية "الغلابة" بالقدر الكافي من الاهتمام خلال الأيام القليلة الماضية؛ حيث دعا عدد كبير من أندية الأقسام الثاني والثالث والرابع

(90+) = الأهلي يفوز بصعوبة

90+ قد تكون ظاهرة مقبولة أمام الزمالك مثلا في الدوري المحلي، ورائعة عند تحقيق بطولة، لكن الأمر يختلف تمامًا عند تكراره في مباريات عادية بالدوري المحلي،

العرب يفسدون متعة كرة القدم

هل كان حارس الزمالك مخطئًا فيما فعله من السقوط لفترة قاربت على الدقائق الخمس، وحصل بموجبه على الإنذار الأول؟ في ظني، وبعض الظن إثم، أن الحارس لم يكن مصابًا وتعمد إضاعة الوقت.

الزمالك والأهلي.. "قمة الوحل"

على عكس التيار السائد في وصف مباراة الأهلي والزمالك بـ"قمة الوحل" - مع الاتفاق في بعض التفاصيل - لم أجد اللقاء بهذا السوء، وأراه لا يستحق تلك الانتقادات المعلبة الجاهزة للإطلاق.

الظلم ليس ممتعا

"أخطاء الحكام جزء من متعة كرة القدم"، مقولة يرددها كثيرون دون وعي أو إدراك للمعنى السلبي لها، ولا أفهم أبدًا أي متعة تلك في ضياع مجهود لاعبين وجهاز فني،

سر محمد صلاح

كُثرٌ هم النجوم المصريون الذين لمعت موهبتهم عبر تاريخ كرة القدم، ولكن يبقى قليل منهم فقط من يترك بصمة لا تزول في قلوب الجماهير.