فتحت جوهانسبرج نافذة على مستقبل الاقتصاد العالمي، وهي تستضيف أول قمة لمجموعة العشرين تُعقد على أرض إفريقية. لم يكن الاجتماع مُجرد حدث بروتوكولي، بل لحظة كاشِفة عن موازين قوة جديدة تتشكل، وعن طاولة عالمية تجتمع حولها اقتصادات تُمثل 85% من الناتج العالمي، بينما بدا مقعد واحد فارغًا: مقعد الولايات المتحدة.
المقعد الفارغ.. رسالة اقتصادية وسياسية
قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مُقاطعة القمة كليًا لم يكن حدثًا عابرًا، بل رسالة واضحة تعكس رفضًا للغة البيان الختامي التي ركزت على المناخ، والطاقة المُتجددة، وتخفيف الديون عن الدول الفقيرة. ملفات تراها واشنطن "انحرافًا" عن الدور الاقتصادي للمجموعة، بينما يعتبرها الجنوب العالمي أساسًا لنمو أكثر عدالة واستدامة.
المناخ والتنمية وملء الفراغ
ورغم غياب واشنطن، تحركت القوى الأخرى لملء الفراغ. الاتحاد الأوروبي دفع بقوة نحو أجندة مُناخية طموحة، الصين أعادت تقديم نفسها باعتبارها "صوت الجنوب العالمي"، بينما دفعت الهند والبرازيل نحو إصلاحات مالية تُوسِّع هامِش النمو في الاقتصادات النامية.
إفريقيا وثروات المستقبل
ناقشت القمة أربعة محاور اقتصادية أساسية: مُضاعفة التمويل لمُواجهة الكوارث المُناخية، تخفيف أعباء الديون، تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، وتمكين إفريقيا من استثمار معادنها الحيوية، خاصة تلك اللازمة لصناعات البطاريات والسيارات الكهربائية، رأسمال المستقبل.
وجاء البيان الختامي للقمة مُحمَّلًا بلغة اقتصادية خضراء لم تتقبلها الإدارة الأمريكية، خصوصًا ما يتعلق بمُواجهة تغيّر المناخ، وتمويل الانتقال إلى الطاقة المُتجددة، وخفض ديون الدول الفقيرة المُتضررة من الكوارث. ورغم أن هذه البنود أصبحت ركيزة في أجندات النمو الحديثة، فإن موقف ترامب يعكس رؤية اقتصادية تقليدية ترفض تحميل الاقتصاد الأمريكي أي أعباء إضافية مُرتبِطة بالمناخ أو التنمية.
رئاسة أمريكية قادمة… ومخاوف من إبطاء الزخم
يزداد المشهد تعقيدًا مع تسلُّم الولايات المتحدة رئاسة المجموعة خلال أسابيع. فهناك مخاوف من أن تؤدي سياسات ترامب إلى تباطؤ زخم جهود مُكافحة التغير المناخي وتعزيز التنمية، خصوصًا مع إعلان أن القمة المُقبلة ستُعقد في مُنتجع يملكه ترامب في فلوريدا، ما يُضيف بُعدًا مُثيرًا للجدل في العلاقة بين السياسة والاقتصاد.
اقتصادات المجموعة نمو مُرتفع وضغوط أشدّ
ورغم صعوبة الوصول إلى توافق سياسي، تبقى مجموعة العشرين محورًا أساسيًا للنظام الاقتصادي العالمي، فهي تُمثل ثلاثة أرباع التجارة العالمية. وتظهر أحدث بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نموًا للمجموعة تجاوز 3.5% في الربع الثاني من 2025، رغم الضغوط المُتصاعِدة من الديون وارتفاع أسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية.
النظام متعدد الأقطاب: قواعد جديدة لاقتصاد جديد
في المقابل، تتحرك القوى الصاعدة -الصين، الهند، روسيا، البرازيل- بثقة أكبر نحو إعادة تشكيل قواعد الاقتصاد العالمي. هذه الدول لم تعد مُجرد أطراف، بل باتت تُنافس القوى التقليدية على صياغة السياسات المالية والتجارية.
فهذه القوى الاقتصادية الصاعدة تبدو وكأنها تتحرك بثقة أكبر، إذ لم تعد مُجرد لاعبين على الهامش، بل باتت تُنافس القوى التقليدية على صياغة قواعد النظام المالي والتجاري العالمي.
هنا تحديدًا يظهر مفهوم "النظام متعدد الأقطاب" الذي يُشير إلى عالم تتوزع فيه القوة الاقتصادية بين عدة مراكز، لا بين قوة واحدة كما كان الحال لعقود.
«العشرين»… مرآة لعالم يعيد ترتيب أوراقه
إن قمة العشرين في جوهانسبرج لم تكن مُجرد اجتماع اقتصادي، كانت إعلانًا صامتًا بأن العالم في العشرين عامًا المُقبلة سيكون مُختلفًا جذريًا. نظام مالي جديد يتشكل، تحالفات جديدة تُبنى، مفاهيم القوة الاقتصادية تُعاد كتابتها، بينما يتراجع المنطق القديم الذي حكم الاقتصاد العالمي منذ نهاية الحرب الباردة.
فبين من يُدافع عن النظام القديم، ومن يسعى إلى إعادة كتابته… تبدو مجموعة العشرين مرآة صادقة لاقتصاد عالمي يُعيد ترتيب أوراقه، ويبحث عن مُعادلة جديدة للنمو والاستقرار.
[email protected]