عندما انضممت إلى طاولة الحوار في مبادرة شرق المتوسط (EMI)، التي أطلقها مركز جنيف للسياسات الأمنية (GCSP) منذ عام 2020، وعقد آخر جلساتها في العاصمة البلغارية صوفيا منذ أيام قليلة، شعرت أنني أمام محاولة لإعادة قراءة المنطقة ليس فقط من منظور جغرافي، بل من منظور تاريخي وسياسي عميق.
المبادرة جمعت خبراء من مصر وتركيا واليونان وقبرص وفلسطين ولبنان وسوريا وإسرائيل، ومعهم مُراقبون من دول ثالثة مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، فيما يشبه المسار الثاني للحوار، بعيدًا عن ضغوط السياسة الرسمية المباشرة، بهدف خلق مساحة يمكن أن تُنتج حلولًا واقعية لأزمات مُعقَّدة ومُمتدَّة في هذه المنطقة المُشتعِلة، لم يكن أحد يتحدث باسم حكومته رسميًا، لكن الجميع كان يحمل في صوته ثِقل الدولة وذاكرتها وخيباتها.
شرق المتوسط ليس إقليمًا عاديًا. فهو يمتد من سواحل مصر ولبنان وفلسطين وتركيا إلى جزر اليونان وقبرص، عبر محاور بحرية حيوية تربط أوروبا بالشرق الأوسط، ومسارات تجارة وتاريخ تتداخل فيها الحروب والحضارات. وهو منطقة تداخلت فيها طبقات التاريخ مثل طبقات الصخور الجيولوجية. هنا مر الأسطول العثماني، وتوقفت السفن البريطانية، واشتعلت الحروب العربية الإسرائيلية، ثم جاءت لحظة الغاز الطبيعي لتُضيف طبقة جديدة من التوتر.
في القرن التاسع عشر، كانت المنطقة جزءًا من الصراع بين الدولة العثمانية والقوى الأوروبية، وفي منتصف القرن العشرين شهدت حروب فلسطين 1948 و1956، مرورًا بحرب السويس 1956، وحرب يونيو 1967، وحرب أكتوبر 1973، وصولًا إلى اتفاقيات أوسلو 1993، التي لم تُترجم التطلعات إلى استقرار دائم.
كل هذه الأحداث تركت إرثًا من عدم الثقة، أعاد إنتاج نفسه في النزاعات المُعاصرة حول الغاز الطبيعي، والعدوان الإسرائيلي المُستمر على غزة منذ أكتوبر 2023، والأزمة السورية منذ 2011، والتنافس الإقليمي بين مصر وتركيا وإسرائيل.
وفي هذا السياق، تبرز نظرية التغيير كإطار عملي لإعادة إنتاج الثقة تدريجيًا بين دول هذه المنطقة المُضطربة، وهنا، تقول الفرضية الأساسية لهذه النظرية الشهيرة في العلاقات الدولية إن التغيير لا يبدأ بالضرورة في القاعات الرسمية، بل من مساحات الحوار غير الرسمي، حيث يلتقي خبراء ومسئولون سابقون لديهم صِلة بمراكز القرار، ويعكفون على تفكيك السرديات المُتوارثة وفهم مخاوف كل طرف، وهذه العملية، التي قد تبدو بطيئة، تُمثل اللبنات الأولى لشبكة علاقات متينة يمكنها، على المدى الطويل، التأثير في صانعي القرار الرسميين.
لكن بناء الثقة وحده لا يكفي. فالمبادرة، حسبما تؤكد النظرية، تتطلب خطوة إضافية، وهي تحويل الحوار إلى مُقترحات عملية، وهذه المُقترحات تشمل بناء آليات للثقة المُتبادلة، وخططًا لإدارة الأزمات قبل انفجارها، ومُقترحات للتعاون في مجالات إنتاج وتبادل الطاقة والأمن البحري وحماية البيئة.
وهنا، يُعلمنا التاريخ أن الأفكار غير الرسمية، حين تواجه ضغوط الواقع وتحدياته، يمكن أن تُصبح الخيار الوحيد المُتاح أمام صانعي القرار في الدول، كما حدث في تجارب أوروبا بعد الحربين العالميتين عندما تحول التعاون الاقتصادي إلى أساس لإرساء السلام.
والحلقة الثالثة، وفقًا لنظرية التغيير في العلاقات الدولية، هي التواصل مع صانعي القرار؛ فالسلطة السياسية، في أية دولة، بطبيعتها تحفظ لنفسها حرية الحركة، لكنها تحت ضغط الأزمات قد تبحث عن بدائل غير تقليدية. وهنا يكمن دور الخبراء. ليس كبديل لصانع القرار، بل كمصدر مَعرِفي مُستقل يُقدِّم له أدوات إضافية في اللحظات الحَرِجة، كما حدث في أزمات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط منذ 2010، حين شكَّلت المُشاورات غير الرسمية بين مصر والعواصم الأوروبية وتركيا وإسرائيل ولبنان أرضية لتجنب تصعيد مفتوح.
ويُركز الرهان النهائي لهذه النظرية على هدفين مُحدَّدين. الهدف الأول هو احتواء الأزمات وتقليل قابلية التصعيد العسكري. والهدف الثاني هو بناء إطار دائم للتعاون الإقليمي، يمكن أن يتجسد مستقبلًا في مُؤتمر تعاون شرق المتوسط، كهيئة مُستمرة للحوار بين الدول الساحلية، على غرار تجربة المجلس الأوروبي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لتثبيت أسس التعاون.
لكن الطريق ليس سهلًا أمام دول المنطقة وشعوبها التي أنهكتها الصراعات والحروب والأزمات الاقتصادية. فهناك إرث طويل من الخوف، ومن الروايات التاريخية التي جعلت كل طرف يعتقد أن الآخر خصم دائم. كما أن هناك ضغوطًا داخلية ونُخَبًا سياسية ترى في إبقاء هذا الخوف أداة نفوذ وشرعية.
ومع ذلك، يُظهر التاريخ أن التحولات الكبرى غالبًا ما تبدأ من هوامش القرار، من مساحات غير رسمية، حيث تتجمع المعرفة والثقة، لتصبح لاحقًا قوة قادرة على تغيير المُعادلات.
وفي تقديري، أن المستقبل في شرق المتوسط لن يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالبيانات الرسمية وحدها، بل بقدرة الأطراف على إعادة تعريف الأمن. من أمن يقوم على الخوف من الآخر، إلى أمن يقوم على فهمه، وعلى تراكم علاقات ثقة وشبكات تأثير قادرة على توجيه المسارات الرسمية إلى فضاءات أكثر استقرارًا وسلامًا وتنميةً، وبذلك تتحقق الفكرة الأساسية لنظرية التغيير، وهي خطوة صغيرة في مسار طويل، لكنها ضرورية لإنقاذ إقليم طالما اعتاد أن يتحرك على حافة الانفجار.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن ما يحدث في مساحات "المسار الثاني" ليس سلامًا، بل بداية الاعتراف بإنسانية الآخر. وهذا الأمر في منطقة شرق المتوسط ليس مسألة بسيطة، فهنا عاشت الشعوب عقودًا وهي تنظر عبر متاريس الذاكرة، كل طرف حفظ روايته كما تُحفظ العقائد؛ ولذلك فإن مُجرد الاستماع إلى رواية مُغايرة يُعد، في ذاته، شَقًّا صغيرًا في جدار عالٍ من الرِيبة.