جديد الدراسات التاريخية.. «أزياء المرأة وزينتها في الدولة العباسية» بتوقيع د. محمود مجلي| صور

25-11-2025 | 10:59
جديد الدراسات التاريخية ;أزياء المرأة وزينتها في الدولة العباسية; بتوقيع د محمود مجلي| صور المرأة في العصر العباسي ـ تعبيرية

تُعدُ الأزياء والزينة- بوجه عام- مظهرًا من مظاهر الحضارة منذ أقدم العصور، كما أنها كانت ترتبط بعدة عوامل متباينة، منها ما هو جغرافي، ومنها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو اقتصادي؛ ففيما يتعلق بالعامل الجغرافي فقد تأثرت الأزياء والزينة تبعًا للتقلبات المناخية صيفًا وشتاءً من حيث تنوع الأزياء التي تتناسب مع فصول السنة، وفيما يتعلق بالعامل الاجتماعي؛ فكما كان هناك تنوع سكاني ما بين بدو وحضر، كان هناك تنوع في العادات والتقاليد وقد انعكس ذلك على تنوع الأزياء، وعن العامل الاقتصادي؛ فقد أدى انقسام المجتمع إلى طبقات ما بين الأثرياء والفقراء، فقد كان لذلك أبلغ الأثر على تنوع الأزياء، كما كان لمعرفة العرب بالتجارة – منذ أقدم العصور- دورٌ كبيرٌ في مواكبة التطور الذي كان يطرأ على صناعة الأزياء من بلد إلى آخر، وقد ساهم ذلك الانفتاح في التعرف على أنواع جديدة ومختلفة من الأزياء.

موضوعات مقترحة

وفي هذا الصدد قدم الدكتور محمود مجلي، أخصائي دراسات الحضارة الإسلامية بمركز دراسات الحضارة الإسلامية بمكتبة الإسكندرية، ورقته البحثية التميزة التي تحمل عنوان"أزياء المرأة وزينتها في عهد الدولة العباسية (132-334هـ/ 750-945م)" ، والتي نظمها مركز دراسات الحضارة الإسلامية بالتعاون مع برنامج دراسات المرأة والتحول الاجتماعي بقطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية. 

 ينقسم موضوع البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة محاور، وخاتمة، وثبت المصادر والمراجع.

ـ التمهيد: أزياء المرأة وزينتها قبل العهد العباسي

ـ المحور الأول: أزياء المرأة في عهد الدولة العباسية.

ـ المحور الثاني: مدن ومراكز الأزياء بالدولة العباسية.

ـ المحور الثالث: الزينة وأدوات التجميل

التمهيد: أزياء المرأة وزينتها قبل العهد العباسي

الأزياء جمع كلمة زِّيُّ بالكسر، والزِّيُّ اللِّباسُ والهيئَة، وأصله زِوْيُ، تقول منه: زَيَّيَّته والقياس زِويته، ويقال الزي الشارَةُ والهَيْئَةُ، أما تعريف الأزياء اصطلاحًا: فهي تعني اللباس أو الرداء أي  أن كل ما يرتديه الإنسان أو يغطي جسمه من رأسه إلى قدميه يعد زيًا.

الزينة لغًة واصطلاحًا: تعرف الزينة لغة بأنها ما يتزين به الإنسان من لبس وحلي، ففي لسان العرب: تَزَيَّنَتِ الأرضُ بالنبات.. أي حَسُنَتْ وبَهُجَتْ، والزينة ما يتزين به ويوم الزينة: العيد، والزين خلاف الشين، وتعرف الزينة اصطلاحًا: بأنها ما تستخدم لغرض التزيُّن مما هو مباح من الحلي والجواهر والملابس والطيب.

تُعد الأزياء – منذ فجر الإسلام- امتدادًا لتلك التي كانت عليها قبل الإسلام، إذ ورد بإحدى الروايات التاريخية أن بعض العرب قبل الإسلام كانوا يرتدون الملابس الفضفاضة، غير أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند بعثته وضع – من خلال الكتاب والسنة- معايير وضوابط أخلاقية عند ارتداء المرأة للملابس والتزين حتى ظهر ما يعرف بالزي الإسلامي؛ ومن أبرز ملابس النساء في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) الخِمَار: وهو ما تغطي به المرأة رأسها وعنقها ونحرها، ولا تظهر إلا الوجه، والنَّصِيْف: وهو شبيه بالخمار غير أن في رواية الثعالبي يذكر أن النصيف أكبر من الخمار، والبُرْقُع: وهو عبارة عن غطاء للوجه به ثقبان للعينيين، كما أوضحت الرواية التاريخية أن الأعراب كن يرتدينه تميزًا لهن عن نساء الحضر، ومن الملابس التي تستخدمها النساء عند تغطية الوجه النِّقَاب إلا أنه كان شائعًا بين نساء الحضر في الوقت الذي كان نساء البادية يستخدمون البرقع.

ومن الأزياء التي كانت ترتديها المرأة الإِزَار أو المئزر: وهو ثوب تلف به المرأة جسدها، ومن الثياب أيضًا التي كانت تغطي بها المرأة جسدها البُرْد، والجلْبَاب،والإِتْبُ والخَمِيصَة، والدِّرْع، والرَّيْطَة، والغِلاَلة، والنَّطَاق، وغيرها.

 أما في عهد الخلفاء الراشدين؛ فلم تختلف ملابس النساء كثيرًا عما كانت عليه في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وعلى الرغم من قيامهم بباكورة الفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا وما ترتب على ذلك من تعرف بعض النساء المسلمات على عادات وتقاليد الروم والفرس إلا أن الخلفاء الراشدين وولاتهم نجحوا في تحجيم تأثر النساء بعادات وتقاليد تلك المجتمعات نتيجة إلى الضوابط والمعايير التي وضعها الرسول (صلى الله عليه وسلم) لا سيما فيما يتعلق بأزياء المرأة، وقد استندنا على صحة ما ذهبنا إليه، إلى ما ذكرته بعض الروايات التاريخية عن ظهور موضات جديدة بخصوص ملابس المرأة وهو ما يسمى (بالقَباطيِّ) ، ومن ثم ظهور الملابس القصيرة التي تكشف عن ساقي المرأة.

 بعد أن تناولنا أزياء المرأة في صدر الإسلام يمكننا إلقاء الضوء على طبيعة ما كانت عليه أزياء المرأة في العهد الأموي؛ فمن الملاحظ وجود نشاط متزايد للفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا، وقد ترتب على ذلك سهولة الاتصال بالمجتمعات الجديدة كالبيزنطيين والساسيين والهند والصين، وأواسط أسيا، وأمام سهولة تنقل المسلمين في العصر الأموي بين الأمصار أصبح من اليسير التأثر ببعض العادات والتقاليد بتلك المجتمعات لا سيما في مجال أزياء المرأة وزينتها، غير أن الباحث يرجح أنه رغم ذلك، وعلى اعتبار أن العصر الأموي قريب بعصر صدر الإسلام فلم يطرأ على أزياء المرأة وزينتها تغير كبير يتعارض مع الضوابط التي وضعها رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

 أما عن زينة المرأة في عصر النبوة؛ فمن الملاحظ أن الإسلام أباح لأهله جميع أنواع الزينة، كما وضع معايير وضوابط شرعية كالتوسط والاعتدال مع مراعاة الحدود الشرعية عند استعمالها.

 وعن مظاهر زينة المرأة في صدر الإسلام كانت تتمثل في التحلي بخواتم الذهب والفضة، والأقراط في آذانهن، والقلائد في أعناقهن، والأساور في أيديهن، والخلاخيل في أرجلهن؛ كما استخدمت المرأة الحناء للشعر والأيدي والأظافر، فضلًا عن استخدام المرأة لعصائب الرأس من الزعفران، والكحل لتزيين العنينين.

 أما عن الزينة في عصر الدولة الأموية؛ فلم تختلف كثيرًا عما كانت عليه زينة المرأة في صدر الإسلام، كما استعملت المرأة الطيب لرؤوسهن ووجوههن وأجسامهن.

المحور الأول: أزياء المرأة في عهد الدولة العباسية

لقد شهدت أزياء المرأة في عهد الدولة العباسية تميزًا ملحوظًا؛ ومنها ما تم تطويره، ومنها ما هو جديد، وهناك ثمة عوامل أدت إلى ذلك التطور؛ ومن تلك العوامل ما هو سياسي، وعسكري، واقتصادي، واجتماعي وثقافي، ومن أهم تلك العوامل إزدياد الرقعة الإسلامية نتيجة للفتوحات، وما ترتب على ذلك انصهار العنصر العربي مع عناصر السكان بالبلاد المفتوحة، مما ساعد على اكتساب عادات وتقاليد اجتماعية فيما يتعلق بالأزياء عامة وأزياء المرأة خاصةً، كما عُد ذلك منطلقًا مهمًا أدى إلى الانفتاح الحضاري.

وقد ترتب على ذلك الانفتاح الحضاري إقبالًا كبيرًا من المرأة العربية على استخدام الأزياء والزينة التي كانت تستخدمها المجتمعات التي دخلت تحت راية الإسلام كالفرس والأتراك والروم.

وبناء على ما تقدم؛ فقد شهد العصر العباسي – فترة موضوع الدراسة- تطورًا واضحًا فيما يتعلق بأزياء المرأة ساهم في ذلك الدور الفعال الذي أدته الجواري في شغف المرأة وكثرة اهتمامها بتقليدهن؛ إذ رأينا نساء القصور يتفنن في ارتداء الملابس الأكثر تميزًا عن باقي الطبقات كعُليَّة بنت المهدي، وزبيدة زوجة هارون الرشيد، وأم المقتدر.

ومن الملاحظ وجود فوارق بين الطبقات في التعامل مع الزي في الأشكال والألوان، فكانت النساء المهجورات يرتدين الملابس البيضاء، بينما الأرامل كن يرتدين الملابس ذات اللون الأسود والأزرق، والعوام من النساء يرتدين الملابس المصبوغة باللون الأحمر والأخضر والمورد، وأما نساء الأغنياء يرتدين اللاذ الحريرية والقز الصوفية والديباج والخَزّ وغيرها.

 ويمكننا أن نقسم أزياء المرأة في العصر العباسي إلى ملابس الرأس، وملابس البدن، وملابس القدم:-

1-  ملابس  الرأس: ومن ملابس الرأس البرقع، والبخنق وهو برقع صغير تلبسه المرأة تغطي به رأسها، وتخيط طرفه من تحت فهما، والعصائب وكانت أغلب عصائب نساء الأغنياء تطرز بخيوط ذهبية وتزين بالجواهر والأحجار الكريمة، وقد استحدثت ذلك النوع من العصائب – وفقًا لما أشارت إليه الروايات التاريخية – هي عُلية بنت المهدي، فضلًا عن أن نساء الخلفاء، والوزراء كن يغطين رؤوسهن بما كان يعرف بالتاج، وهو عبارة عن طاقية مرتفعة مزينة بالجواهر، كما كان نساء الأغنياء يغطين رؤوسهن بما يعرف بالبرنس المحلى بالجواهر والذهب.

وقد ارتدت المرأة العمائم بمختلف طبقاتهن؛ فالأغنياء منهن كن يرتدين العمائم المرصعة بالذهب، بينما ارتدت المرأة الفقيرة العمامة مع القليل من الزينة حسب مستوياتهن وقدراتهن المادية، كما حرصت على أن يتدلى من خلف العمامة جزء طويل يصل إلى الظهر فيضفي عليها جمالًا.

 ومن ملابس الرأس التي شاع استخدامها لدى المرأة الخمار، والنقاب، والمِقْنَعُ وهو ما تغطي به المرأة رأسها.


ملابس الوجه والرأس

2ـ ملابس البدن:  ومن الملابس الداخلية التي تم استحداثها في العصر العباسي في القرن الرابع الهجري، ما يسمى بالفُوطَةُ، المصنوعة من القُز، كما كان هناك ملابس داخلية أخرى كالقرقر، والشوذر، والمجسد، وكلها متقاربة من حيث القِصَرْ، وعدم وجود أكمام، كانت ترتديها المرأة في بيتها وفي أوقات الخلوة.

 أما عن الملابس الخارجية التي ارتدتها المرأة في العصر العباسي الإزار الذي لم يكن حكرًا على طبقة دون طبقة.

والجدير بالملاحظة أن المرأة اهتمت اهتمامًا كبيرًا بالإزار فتفننت في حياكته فزينته بالزنانير وخيوط الإبريسم والذهب، ليزيدها جمالًا وأناقة، ومنهن من لبسن إزارين مختلفين في الألوان، وقد شاع اللون الأبيض والأزرق.

 ومن الملابس الخارجية الأكثر شهرة في العصر العباسي السروال الذي شاع ارتداءه بين النساء بمختلف طبقاتهن. وكان اللون السائد للسروال هو اللون الأبيض، كسروال عريب وصيقة المأمون، كما زينته المرأة بالزنانير وخيوط الإبريسم والذهب.

ولبست المرأة أيضًا ما يسمى بالرِّدَاء، وهو يغطي الجسم كله وله كمان، مع فتحة ضيقة تحيط بالرقبة، وتختلف الأردية النسائية في نوعية الأقمشة ومادة التطريز؛ فأحيانًا تصنع من الحرير أو القطن أو الكتان، وأحيانًا تكون مطرزة بالأحجار الكريمة من اللؤلؤ أو الزبرجد أو الياقوت، وكما أبدعت المرأة وتفننت في تطريز الرداء فأبدعت أيضَا في تزيينه بكتابة الأشعار وأبيات الغزل بالفضة والذهب على الأكمام والأزيال.

وثمت تطور شاب عملية تطريز ووشي الرداء، تمثل في تعيين السيدة زبيدة لكاتب يشرف على تطريز وتزيين ملابسها حتى صنع لها من الوشي الرفيع ما بلغ ثمنه خمسين ألف دينار، كما كان الوشاح حكرًا على نساء الخلفاء والأمراء والطبقات الغنية، وهو عبارة عن نسيج من أديم عريض مرصعًا بالجواهر وتضعه المرأة على أكتافها .وفي بعض الأحيان ارتدت المرأة وشاحين في وقت واحد.

كما ارتدت المرأة الجُبَّة، وهي تلبس فوق الثياب، وتتميز بالاتساع والطول في الكمين، وقد تطورت الجبة في العصر العباسي وتنوعت؛ فمنها المكفوفة الحواشي، ومنها المحشوة المبطنة وتلبس في الشتاء، ومنها المصنوعة من الحرير غالي الثمن أو الخَزّ أو القطن أو الكتان أو الصوف.

ولقد اهتمت المرأة بارتداء الرَّيْطَة في العصر العباسي للين ملمسها، وهي على أشكال عدة؛ فمنها المزركش والمزين والملون كما لبست المرأة ما يسمى بالبَرْنكان، وهو شبيه الرَّيْطة ونفس استعمالها، يلبس فوق الثياب كالإزار والجبة، وغالبًا ما يكون لونه هو اللون الأسود، وغالبًا ما تتم صناعته من الصوف، كما يطلق عليه بالملاءة.


الغلالة

 3- لباس القدم: أما فيما يتعلق بألبسة القدم؛ فقد كان هناك وجه شبه بينهما وبين ألبسة القدم عند الرجال تمثل في أسمائها، إلا أنها اختلفت في الأشكال والألوان والخامات التي صنعت منها، فضلًا عن المناسبات التي كانت تستخدمها بشأنها؛ فارتدت المرأة الجوارب، والخف والنعال .

ملابس المرأة في العصر العباسي

المحور الثاني: مراكز صناعة الأزياء بالدولة العباسية

لقد تبين – من خلال ما عالجناه بالمحور الأول- أن الأزياء بالعصر العباسي تطورت تطورًا ملوحظًا من حيث التنوع، والأشكال، والقدرة على مزج الألوان، والتفنن في تزيينها، ومواكبة ما هو جديد، إذ عُد ذلك مظهرًا حضاريًا متميزًا في المجتمع الإسلامي، كما ترتب على ذلك زيادة الطلب على الملابس بصفة عامة وأزياء المرأة بصفة خاصة، كل ذلك ساهم في تطور صناعة الملابس من خلال إلحاق دور صناعتها بقصور الخلفاء، فضلًا عن إنشاء مراكز لصناعة الأزياء في المدن والقرى المختلفة، وقد شجع على تطور تلك المراكز وازدياد خبراتها أن الإقبال على اقتناء تلك الأزياء أصبح مطلبًا عامًا، وعليه رأينا أنه من الضروري تخصيص ذلك المحور لإلقاء الضوء على المدن والمراكز التي ساهمت في تطور صناعة الأزياء في العصر العباسي، وأثر ذلك على الإزدهار الإقتصادي الذي ترتب على تقدم تلك الصناعة.

من أشهر المدن التي راجت فيها صناعة الأزياء مدينة بغداد وما حولها من القرى؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر انتشرت ببغداد: (محلة عتاب)، الكرخ، منطقة تُستَرِين، والنرسية وهي موضع قريب من الكوفة، مدينة البصرة، والنعمانية وحربي وتكريت.
ومن المدن المصرية التي ساهمت بنصيب كبير في صناعة الملابس: مدينة دمياط، ومدينة تنيس، والإسكندرية، ومدينة الفيوم، وأسيوط، وأشمون.

وفي اقليم الحجاز انتشرت صناعة الملابس بمكة المكرمة، لا سيما في منطقة وادي مر الظهران، والمدينة المنورة،

أما في عمان: مدينة نزوى .

البحرين صناعة نوع من أنواع البرود كان يعرف بالبرود القطرية.

أما مدن اليمن: صنعاء وعدن.  

أما عن مراكز الصناعة ببلاد فارس وما وراء النهر، الري، أصفهان، وقزوين، وقاشان بإقليم الجبال، ومرو ونيسابور وسرخس في خراسان، وشيراز وقسا وكازورون وتوز في فارس، وبخارى وسمرقند ببلاد ما وراء النهر.


أحذية النساء في العصر العباسي

المحور الثالث: مراكز صناعة الأزياء بالدولة العباسية

قد ترتب على تهافت المرأة على الزينة والتجميل في العصر العباسي انتشار الحمامات، فقد عُدت – بمثابة- مراكز للتجميل، وقد أشارت الروايات التاريخية إلى احتواء الحمامات على الماشطات، والصانعات والبلانات.

وقد انصب اهتمام المرأة فيما يتعلق بالزينة وأدوات التجميل على الرأس والوجه والبدن والقدم، فيما يتعلق بالرأس فقد عُنيت المرأة عناية فائقة بتصفيف شعرها، فابتكرت تصفيفات للشعر، واستخدمت الأصباغ وزينته بالجواهر أو التيجان المرصعة بالأحجار الكريمة، كما أكدت المصادر التاريخية دور المرأة في تطور بعض تصفيفات الشعر في العصر العباسي عما كانت عليه في السابق.

واهتمت المرأة بنظافة شعرها، فغسلته وعطرته، وقد ورد ببعض المصادر التاريخية أن الجارية عريب كانت تغسل شعرها من جمعة إلى جمعة، وتغلفه في كل غسلة بستين مثقالًا من المسك والعنبر، واستخدمت المرأة الأمشاط لتصفيف شعرها مصنوعة من الصدف أو الصندل أو الخشب، كلٌ على حسب طبقته الاجتماعية.

الجدير بالذكر أن اهتمام المرأة بشعرها لا يقل عن اعتنائها ببشرتها (وجهها) حيث قامت بغسل وجهها بأنواع كثيرة من العطور، كما استخدمت الأصباغ لذات الغرض وهو الحفاظ على نعومة البشرة.

واستخدمت المرأة الكحل لتجميل العيون، وذلك لإبراز سعتها، واعتبر العرب الكحل أنه من أزين زينة المرأة، حتى أنهم أطلقوا على المرأة  التي لا تكتحل اسم " مرهاء" وبه قد وصفت محبوبة جارية المتوكل، لأنها أضربت عن الزينة بعد وفاته.

وقد حفظت المرأة الكحل في أوعية خاصة سميت بالمكحلة، وكانت مصنوعة إما من الخشب أو الزجاج أو الذهب أو الفضة. ولم يقتصر اهتمام المرأة بالزينة في تجميل عينها فحسب، بل أولت الحاجبين نفس الاهتمام؛ فقامت بتدقيق الحاجبين وإطالتهما وهو ما يعرف بالتزجيج، علاوة على عملية التنميص أو الحف، وهو إزالة الشعر المتناثر في وجهها.

وعلى ما يبدو أن المرأة لم تكتفِ بأنواع الزينة السابق ذكرها، فقد استخدمت الوشم، الذي شاع في العصر العباسي للمبالغة في التزين وزيادة الجمال، كما رسمن الخال على الوجه بنقطة أو أكثر.

والجدير بالملاحظة أن المرأة استعملت الحناء منذ أقدم العصور لصبغ الأيدي والأرجل والشعر. ومن مكملات الزينة عند المرأة استعمال الطيب، ويشمل جميع أنواع العطور بشكل عام، ومنه المسك بأنواعه، والعنبر بأنواعه، والعود، والكافور، والمحلب، والصندل ، كما استعملت المرأة العطور المركبة التي اقتصر استعمالها على العصر العباسي مثل اللخالخ، وهو مركب من العود والمسك والكافور واللادن.


خريطة الدولة العباسية

ومن أهم مظاهر زينة المرأة وأدوات التجميل التي تضفي عليها جمالًا الحُلِي التي عرفتها المرأة منذ أقدم العصور، وقد احتوت المصادر التاريخية على إشارات كثيرة إلى ارتداء المرأة للحلي في العصر العباسي.
  
ومن أشهر الحُلِي التي تزينت به المرأة التاج أو الإكليل المرصع بالذهب والجواهر، وقد تميزت التيجان النسائية بأنها تغطي الرأس أو الجزء العلوي منه، كما لبست المرأة الأقراط.

ومن أصناف الحلي الرئيسة عند المرأة القلائد بأشكالها المختلفة، كما تزينت المرأة بالأطواق التي تحيط بالعنق، وغالبًا ما تكون مرصعة بالأحجار الكريمة، وتحلت بالعقود المصنوعة من اللؤلؤ والخرز، كما استخدمت العقود الطويلة التي عرفت (بالمراسل) المصنوعة من الكافور والعنبر والقرنفل، إضافة إلى خرز الذهب.

ومما تجدر الإشارة إليه أن المرأة اهتمت بتزيين يديها بالحلي، ومن ذلك استخدام الخواتم والأساور، ومن مظاهر اهتمام المرأة بالزينة حرصها على تزيين قدميها فيما يعرف بالخلاخيل المرصعة بالأحجار الكريمة أو بقطع معدنية تُحدِثْ صوتًا عند المشي، وقد أطلق عليها (الحجل).

بيد أن كانت زينة نساء العامة والفقراء من الحلي بسيطة جدًا عبارة عن حلق وعقد من الفضة أو النحاس المطلي بالفضة، وأساور من الزجاج الملون، وقلائد من العنبر، ومكحلة للكحل وزجاجة لماء الورد، وحجر الرجل، وبعض من زجاجات العطر والمرايا.


أدوات الزينة في العصر العباسي

 

الخاتمة

نختتم بحثنا بأبرز ما توصلنا إليه من نتائج:

1-  يُعد موضوع أزياء المرأة وزينتها في العصر العباسي مظهرًا من مظاهر الحضارة الإسلامية، كما يُغطي جانبًا مهمًا من جوانبها، وذلك لما له من إنعكاسات شملت المجتمع الإسلامي على اتساع رقعته وكثرة الأجناس التي انضوت تحت لوائه.

2-  أظهرت أزياء المرأة وزينتها حقيقة ما كانت عليه الحالة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والفكرية.
3-  تبين من خلال ما عالجناه في ثنايا البحث أن المرأة العربية لم تكتفِ بالتقليد، بل كان لها حظٌ وافر ونصيبٌ كبير في مشاركة المرأة الفارسية والتركية في تطوير وتحسين وابتكار أنماط جديدة على صعيد الأزياء والزينة.

4-  ترتب على اتساع الرقعة الإسلامية في العصر العباسي، وكثرة الأجناس التي دخلت تحت حكمها ظهور أنواع جديدة من ملابس النساء، وأشكال عديدة تعلقت بفنون الزينة وأدوات التجميل، وقد أدى ذلك إلى حدوث نهضة اقتصادية نتج عنها زيادة الطلب على الملابس والزينة، وما نجم عن ذلك حدوث طفرة صناعية نتيجة لإنشاء مراكز متخصصة وظهور خبراء متخصصين في كثير من المدن لتلبية احتياجات المرأة من الأزياء والزينة.

5-   ومن خلال ما تناولناه في بحثنا تبين أنه على الرغم من وجود طبقات العامة والفقراء في المجتمع الإسلامي غير أن نساء تلك الطبقة كان لديهم حرصٌ شديد على ارتداء الملابس والتجمل بأدوات الزينة التي تتفق مع امكانياتهن، كما كان هناك تميز واضح بين الجواري والحرائر على الرغم من الدور الكبير الذي أدته الجواري في تعرف الحرائر على ما هو جديد من الأزياء والزينة إلا أنه من خلال ما أوردناه في بحثنا تبين أن الحرائر كن يلتزمن بما يتفق مع الشريعة.

6-   ومن الأثار الاجتماعية التي أمطنا عنها اللثام أن بعض التطورات التي طرأت على أزياء المرأة كانت نتيجة لإخفاء بعض العيوب التي طالت جسد المرأة، مما أدى ذلك إلى زيادة ثقة المرأة بنفسها.

7-  اتضح من خلال ما أوردناه في البحث أن هناك علاقة وثيقة بين ما ترتديه المرأة من أزياء هذا من جهة، ومن جهة أخرى بين حالتها النفسية، إذ كانت أزياء المرأة  وسيلة تعبر بها عند مدى سعادتها وحزنها وطبيعة المناسبة التي ترتدي من أجلها ذلك الزي.

8-  وقد اتضح لنا من كثرة ما تستخدمه النساء من الحلي والعطور من رأسها حتى قدميها مدى ميلها لإبراز جمالها وجاذبيتها.

د. محمود مجلي 

 أخصائي دراسات الحضارة الإسلامية بمركز دراسات الحضارة الإسلامية بمكتبة الإسكندرية


الحُلي في العصر العباسي

الدكتور ومحمود مجلي

الدكتور ومحمود مجلي

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: