نقلت وكالات الأنباء أن سيدة البيت الأبيض ميلانيا ترامب كسرت الصمتَ وقالت إن الذكاء الاصطناعي سيصبح في المستقبل، الأداةَ المركزية في الحروب.
قالت ذلك في كلمة أمام أفراد القوات المسلحة في ولاية كارولينا الشمالية في قاعدة كامبل ليجوني.
وأعتقد أن العسكريين الذين تتحدث إليهم على دراية أكثر بأن "الذكاء الاصطناعي سيغير الحروب على نحو أعمق من أي تكنولوجيا منذ الأسلحة النووية".
وكتب المهندس زياد عبدالتواب خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات مقالًا عن التقرير السنوي الجديد لمعهد مستقبل الحياة FLI الصادر في شهر يوليو الماضي؛ حيث يرى المعهد أن "العالم يعيش لحظة نووية للذكاء الاصطناعي".
ويشير التقرير إلى أن "الذكاء الاصطناعي تحول إلى سلطة مؤثرة في السياسة والاقتصاد والثقافة، ويمكن من خلاله توجيه الرأي العام وتشكيل الوعي الجمعي"، و"يحذر من أن احتكار هذه القوة من قبل عدد محدود من الشركات قد يخلق مركزية رقمية جديدة تشبه احتكار الأسلحة النووية دون رقابة دولية"، ويحذر التقرير من "عودة الاستعمار الرقمي". (العدد 22 ـ مجلة نبتة ـ مصرية إليكترونية).
أين نحن من هذا العالم؟
ربما تحدونا الرغبة والأمل في أن نتجاوز ما درجنا عليه في كل تكنولوجيا سابقة، أن نكون مستوردينَ، وأن ننتظر طوال الوقت أي تطور هناك لنجلبه إلى هنا، من دون مشاركة في إنتاجها أو تطويرها.
فالذكاء الاصطناعي الذي بدأ يكتسب ثقة عمياءَ على حد وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، في كل ما يقدمه للسائل من أجوبة، ورغم أنه عُرضة للأخطاء، هو في طور التطور وبسرعة مذهلةٍ.
وعندما يصل إلى أفق أبعد، ربما لن يصبح فقط باشتراكاتٍ كما هو حادث الآن في بعض التطبيقات، ولكنه سيكون عُرضة للمنع من المصدر، وتحديد من بوسعه الوصول إلى مستويات معينة من المعرفة.
لذا فإننا في مصر لا ينقصنا المال لنبدأ في الانضمام فورًا إلى منتجي الذكاء الاصطناعي، وإنشاء بنية تحتية وعمل نظام معلوماتي خاص بنا، يتسمُ بالكثافة المعلوماتية الدقيقة، لكل ما نستطيع تدشينه من قواعد البيانات الضخمة التي تملكها مصر، "من له مثل أُولياتي ومجدي". والاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي هو استثمار رابحٌ، على خلفية توقعات بتحقيق شركة OPENAI العام الحالي إيرادات تُقدَّرُ بـ 20 مليار دولار.
وإذا لم ندخل بسرعة في الاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أو إذا اكتفينا بالشعارات والعناوين، فإن أحاديثَنا قد تنضم إلى ملف أرشيف "وادي السليكون" في الإسماعيلية، قبل نحو ثلاثين عامًا، في محاولة لاستنساخ "وادي السيلكون" في كاليفورنيا.
وكان مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا، وقد سمعت عنه شخصيًا من المستشار السياسي للرئيس مبارك الدكتور أسامة الباز وتابعته، وشعرت بأنها لحظة استثنائية في تاريخ مصر؛ لأنها ستنقلنا فورًا وبخامات محلية إلى قلب ثورة التكنولوجيا الصاعدة في العالم. فالفكرة أن يتم استغلال رمال سيناء المحررة، في إنتاج شرائح السليكون النفيسة وتصديرها. ولا أقول فشل المشروع؛ لأننا لم نبدأ فيه، لكنه للأسف وُئِدَ بالتجاهل والنسيان.
ثم جاءت القرية الذكية سنة 2001 في أبو رواش الجيزة، وفي قرار تأسيسها جُمعت شركات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر، واتخذها رئيس الوزراء الأسبق د. أحمد نظيف مقرًّا لإقامته كإشارة إلى التوجه الحاسم للقرية كبوابة للمستقبل. لكن لم نعرف بعد، والإجابة عن وزير الاتصالات: هل سندخل عن طريقها إلى المساهمة المنتجة للذكاء الاصطناعي؟ لقد قرأت أيضًا عن القرية التكنولوجية بالمعادي التي هي امتداد للقرية الذكية بأبي رواش.
كل هذه القرى لن تتطور إلا إذا خضعت للمساءلة العلمية؛ لأنها بوسعها إذا ما وُضعت أو تحولت إلى مشروع قومي أن تكون المستقبل لمصر، وأن تساهم في دعم والاستفادة من عشرات الآلاف من خريجي الجامعات المصرية في مجال التكنولوجيا. يحتاج الأمر إلى رغبة حكومية تتيح الفرصة للشركات في الاستثمار في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأن تدخل بنفسها في هذه المشروعات، وأن تفرق بين الطابع التجاري للشركات في هذه القرى وبين الطابع العلمي والاستثماري المنشودِ.
ولا أستبعدُ خطوات حكومية في المجال، ولقد صدرت النسخة الثانية من الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في شهر يناير الماضي لتشمل الفترة من ٢٠٢٥ إلى ٢٠٣٠. وقام مركز الابتكار التطبيقي التابع لوزارة الاتصالات بعمل بعض النماذج القطاعية للذكاء الاصطناعي مثل استخدامه في التشخيص المبكر لمرض سرطان الثدي. لكنني أدعو إلى الإسراع في تطوير المزيد من النماذج القطاعية والعامة أيضًا. فالسباقُ الزمني ليس في صالح إلا مَنْ يتحرك بسرعة كبيرةٍ.