أعلنت سلطنة عُمان عن إطلاق واحد من أهم مشاريعها الاستراتيجية في قطاع الفضاء عبر توقيع اتفاقية تعاون مع شركة "إيرباص" الفرنسية للدفاع والفضاء، لتصميم وتصنيع وإطلاق أول قمر اصطناعي عُماني مخصص لخدمات الاتصالات «عُمان سات–1»، تزامنًا مع الاحتفالات باليوم الوطني المجيد الذي يوافق 20 من نوفمبر من كل عام، ذكرى مرور 281 عامًا على تأسيس الدولة البوسعيدية، لتواصل الدولة تحقيق منجزاتها تحت القيادة الحكيمة للسلطان هيثم بن طارق آل سعيد.
موضوعات مقترحة
ويأتي هذا المشروع ليضع سلطنة عُمان على خارطة الدول المالكة للبنية الفضائية المستقلة وليُعزز سيادتها الرقمية ويَدعم مسار التحول الرقمي والاقتصاد القائم على المعرفة، في وقت تتسارع فيه وتيرة التطور العالمي في تقنيات الفضاء والاتصالات.
وقَّع الاتفاقية من الجانب العُماني المهندس سعيد بن حمود المعولي وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، فيما وقَّعها من جانب شركة "إيرباص" آلان فوريه الرئيس التنفيذي لأنظمة الفضاء. وستقوم شركة "إيرباص" بتصميم "عُمان سات-1" بسعة عالية في نطاق التردد Ka، وسيغطي سلطنة عُمان بما في ذلك مياهها الاقتصادية، إضافة إلى منطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وآسيا، وسيعتمد على منصة OneSat من "إيرباص"، حيث سيتميز بمرونة رقمية كاملة لإعادة التكوين أثناء وجوده في المدار.
كما أسندت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات تشغيل المشروع إلى شركة "تقنيات الاتصالات الفضائية"، وهي شركة مملوكة لجهاز الاستثمار العُماني – لتكون المشغل الوطني للمشروع بعد الإطلاق، والذراع التنفيذي خلال مراحل التصميم والتصنيع. ومن أجل إدارة أمثل للمشروع والمواءمة مع مختلف أصحاب المصلحة، أنشأت الوزارة مكتبًا لإدارة ومتابعة تنفيذ المشروع ضمن الشركة ليتولى مسؤولية المتابعة والإشراف الإداري والفني له، وسيتولى المكتب ضمان جاهزية البنية التحتية لتشغيل القمر الاصطناعي، وكذلك بناء منظومة تشغيلية متكاملة في سلطنة عُمان لإدارة القمر الاصطناعي وتقديم الخدمات للمؤسسات الحكومية والخاصة بعد الإطلاق.
جانب من توقيع الاتفاقية بين عُمان وفرنسا
تعزيز السيادة الرقمية
تكمن أهمية هذا المشروع بشكل رئيسي في تحقيق السيادة العُمانية في مجال الاتصالات داخل سلطنة عُمان، وأن هذا القمر هو أول قمر وطني يُطلق إلى المدار الثابت، حيث سيستقر فوق منطقة جغرافية تشمل سلطنة عُمان وعددًا من المناطق المجاورة في الإقليم، سواء في الشرق الأوسط أو إفريقيا أو عموم غرب آسيا، ومن المخطط أن يتم إطلاق القمر في سبتمبر 2028، على أن يبدأ التشغيل الفعلي في مايو 2029.
وسيتم تصنيع القمر في فرنسا وبريطانيا، بينما ستتولى شركة "سبيس إكس" مهمة الإطلاق، حيث يأتي هذا المشروع ضمن البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي الذي يُعد مشروعًا استراتيجيًا مهمًا لسلطنة عُمان.
كما أن امتلاك قمر صناعي مخصص للاتصالات بات ضرورة ملحة في عالم اليوم الذي يمنح السيادة الرقمية أهمية كبرى، حيث يُعد أحد أهم أهداف هذا القمر هو تمكين سلطنة عُمان من تحقيق السيادة الرقمية في مجال الاتصالات، كما أن تصميم وتصنيع هذا القمر يُترجم أهداف السياسة والبرنامج التنفيذي للفضاء، وهو أحد البرامج الرئيسة في البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي، بما يُساهم في تعزيز نمو الاقتصاد الرقمي في سلطنة عُمان، فضلاً عن أن عمليات التصميم والتصنيع والإدارة المستقبلية ستتم بكوادر عُمانية مؤهلة، ما يُعزز بناء القدرات الوطنية في هذا القطاع الحيوي.
نصت الاتفاقية بين الحكومة العُمانية والشركة المشغلة وشركة "إيرباص" على أن يكون التحكم الكامل بالقمر بعد إطلاقه ملكًا لسلطنة عُمان، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت السلطنة لإطلاق قمرها الخاص.
وستكون هناك استخدامات أخرى للمشروع، فبينما يتمثل الاستخدام الأساسي في الاتصالات، إلا أنه يتضمن أيضًا قيمة مضافة في مجالات مختلفة، منها: تعاون بحثي بين مهندسين من عُمان وآخرين من الشركة المصنعة، وكذلك الاستفادة من بعض صور الأقمار الصناعية التي توفرها الشركة، وتطوير بعض الخدمات المساندة ذات الصلة.
أحد المشروعات العُمانية في قطاع الفضاء
والمؤكد أن المشروع يُعد إحدى أهم المبادرات الاستراتيجية في تنفيذ السياسة الوطنية للفضاء (2023-2033) التي تطمح إلى "جعل سلطنة عُمان البوابة الإقليمية لخدمات وتقنيات الفضاء، حيث تُمكن التنويع الاقتصادي وتفتح الفرص المستقبلية، لتعزيز مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، وتوسيع نطاق الخدمات الفضائية الوطنية".
ويأتي المشروع متكاملًا مع مبادرات الوزارة لتمكين وتطوير قطاع الفضاء بالشراكة مع القطاع الخاص المحلي في مجالات إطلاق الأقمار الاصطناعية من ميناء الدقم عبر برنامج "إطلاق"، والبرامج الوطنية لبناء القدرات لتعظيم استخدام الخدمات الفضائية، وبرنامج مسرعات عُمان للفضاء ومشروعات البيانات الجغرافية والمراقبة الأرضية، مما يشكِّل منظومة متكاملة لدعم وتمكين الاقتصاد الفضائي في سلطنة عُمان. ويُمثل هذا المشروع أيضًا نقطة تحول كبرى في تاريخ الاتصالات الفضائية في سلطنة عُمان وفق أعلى المعايير العالمية.
تهدف عُمان من خلال هذا المشروع إلى بناء منظومة تشغيلية عُمانية خالصة، تُدار بأيدٍ وطنية مؤهلة، وتُمكِّن سلطنة عُمان من تقديم خدمات اتصالات متقدمة وآمنة. وبتوقيع هذه الاتفاقية الاستراتيجية، تدخل سلطنة عُمان مرحلة جديدة من التمكين التقني والفضائي، تُؤسس لبنية تحتية وطنية مستقلة في مجال الاتصالات، وتدعم جهود التحول الرقمي.
زيادة مساهمة قطاع الفضاء في الدخل القومي
كانت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات في سلطنة عمان قد أعدت رؤيةً خاصة بـالبرنامج الوطني للفضاء، يتضمن 4 محاور رئيسية، مثل "التنوع الاقتصادي، والأمن الوطني، وبناء القدرات، فضلاً عن صون الموارد الطبيعية"، وذلك للعشرة أعوام المقبلة أي حتى عام 2033.
إذ يبلغ حجم مساهمة قطاع الفضاء في الدخل القومي العماني بنحو 0.5 في المائة، وهذه النسبة تُعد ضمن نشاطات الاقتصاد الرقمي العماني كافة، ويصل حجم الشركات المحلية العاملة في البرنامج نحو 21 شركة محلية، في حين تقدم بعضها خدماتها خارج عُمان، ويبلغ عدد العاملين في المجال نحو 400 موظف.
يأتي برنامج «مسرِّعات الفضاء»، الذي يؤهل 10 شركات ناشئة محلية في القطاع، كأحد البرامج المحورية، إذ يركز المشروع على الأنشطة ذات العلاقة بالفضاء مثل: الاتصالات ومراقبة ورصد الأرض، والتحليلات الجغرافية المكانية، والملاحة، والطائرات بدون طيار، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والحوسبة المتطورة، وحفظ وتخزين البيانات، وإنترنت الأشياء، وبيئات محاكاة المركبات الفضائية، وتسريع نمو الشركات الناشئة.
ونتيجة لاستمرار الجهود العُمانية للدخول إلى ساحات استكشاف الفضاء، أعلنت سلطنة عُمان ممثلةً بشركة "عدسة عُمان" أنها سوف تُطلق قمرًا صناعيًا عُمانيًا خلال النصف الأول من العام القادم 2026، أكثر دقة وكفاءة ومزودًا بتقنية تصوير عالية الوضوح بدقة 50 سم (بانكروماتي) وبقدرات تصوير متعددة الأطياف RGB وNIR بالإضافة إلى منصة ذكاء اصطناعي على متن القمر بقدرة حاسوبية تتجاوز 400 تريليون عملية في الثانية.
يرتكز السعي العُماني للدخول إلى عالم الفضاء الكوني على استراتيجية متعددة الأهداف، أولها سعي السلطنة لتنويع اقتصادها وزيادة مساهمة قطاع الفضاء في الدخل القومي عبر جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل في هذا المجال. وثانيها: تُركز الحكومة على تدريب المهندسين العُمانيين في مجالات الفضاء وتصنيع المركبات الفضائية لتعزيز القدرات الوطنية في هذا القطاع. وتهدف عمان إلى أن تصبح منصة إقليمية لتطبيقات الفضاء وتطوير بنيته التحتية، مما يعزز مكانتها في المنطقة. إذ تتماشى جميع هذه المشاريع مع رؤية عُمان 2040 التي تركز على الابتكار والبحث العلمي وتنويع الاقتصاد.