كانت فترة الاضطرابات السياسية التي حدثت في مصر عقب جلاء الاحتلال الفرنسي عنها في 1801م، سنوات مخاض، انتهت بثورة 1805م، التي أطاحت بالوالي العثماني خورشيد باشا وأجلست محمد علي باشا على عرش مصر.
موضوعات مقترحة
في هذا المقال نستكمل من خلال تحليل الوقائع التاريخية ملامح دور المرأة كفاعل مؤثر في شتى مجالات الحياة، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تذهب إلى عزلتها أو تغييبها عن الحياة العامة.
وتجدر الإشارة إلى أن المرأة المصرية في ذلك العصر، لم تكن بمعزل تام عن التعليم كما شاع في بعض الدراسات؛ فقد ظلت الفتيات يتلقين قدرًا من التعليم على نحو ما، في الكتاتيب المنتشرة في القرى والمدن، إلى جانب الصبيان، حتى بلوغ سن العاشرة أو الثانية عشرة، حيث كن يتعلمن القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. خصوصا بنات الأسر المتعلمة، وكانت هذه الكتاتيب المنتشرة في طول البلاد وعرضها بمثابة مدارس أولية للتعليم، ولم يتوقف هذا الأمر خلال أي حقبة؛ وكان نساء النخبة يحظين أحيانا بتعليم راقٍ، وكانت الأسر الثرية تجلب مدرسين مخصوصين لتعليم البنات فى البيت.
وأحيانًا يتتلمذن على أيدي كبار العلماء، كما حدث في حالة النساء اللواتي حضرن دروس مرتضى الزبيدي العلمية في القاهرة عام 1754م التي كان يلقيها في منزل أحد الأعيان كل مساء، هذا التواصل المعرفي يؤكد أن التعليم النسوي لم ينقطع عبر العصور، بل تواصل على نحو ما حسب الطبقات الاجتماعية والظروف السياسية.
وتبرز المصادر التاريخية أهمية الدور الاقتصادي للمرأة من خلال نظام الالتزام -كما سبقت الإشارة في المقال السابق- ومن خلال نظام الأوقاف؛ إذ تولّت النساء نظارة الأوقاف وأدارتها بكفاءة واقتدار. وتؤكد سجلات المحاكم الشرعية في تلك الفترة أن النساء لم يكتفين بإنشاء الأوقاف، بل تولين نظارتها ومتابعة شؤونها المالية والإدارية، ولم يكن لأحد أن يسلبهن هذا الحق ما دمن يقمن بواجباتهن بكفاءة.
مما يعكس مكانة المرأة الاجتماعية والقانونية المستقلة. وإن الاعتراف بقدرة النساء على إدارة الوقف – بما يتضمنه من أعمال مالية وإدارية– يمثل شهادة على الثقة المجتمعية بكفاءتهن وقدرتهن على تسيير الشؤون الاقتصادية.
ومن خلال تحليل معاملات البيع والشراء، يبدو بجلاء أن المرأة المصرية كانت فاعلا اقتصاديًا في الأسواق والتجارة الحضرية والريفية؛ فقد مارست التجارة باسمها الشخصي، وأقرضت واقترضت. وتشير روايات الجبرتي إلى أن النساء كن يرتدن الأسواق بانتظام، وهو ما يعكس واقع انخراطهن في الحياة العامة لا انعزالهن عنها. بل إن وجودهن في الأسواق وقيامهن بالأنشطة التجارية على نحو ما ذكر المؤرخون يفنّد مزاعم حصر المرأة في "الحرملك" أو عزلتها عن المجتمع.
ومع تولي محمد خسرو باشا (فبراير 1802- مايو 1803م) الحكم في مصر، شهدت البلاد مرحلة جديدة اتسمت في بدايتها بتحسن نسبي في الأمن وتنظيم الأسواق، مما انعكس إيجابًا على وضع النساء؛ فقد أمر خسرو باشا بتسعير السلع، وضبط الموازين، ونشر الحرس في الأسواق؛ فشاع الأمن وعادت النساء للتسوق بحرية، كما يشير الجبرتي إلى أن النساء مَشَيْنَ "كعادتهن في الأسواق لقضاء أشغالهن"، وهو تعبير ذو دلالة على استمرار حضور المرأة في المجال الاقتصادي العام بوصفه أمرًا طبيعيًا ومعتادًا. هذا الاستقرار النسبي مكّن المرأة من توسيع أنشطتها التجارية والمهنية، إذ شاركت في التجارة الداخلية، وأدارت دكاكين، وعملت كدَلَّالة تقدم البضائع للنساء الثريات في (الحريم)، مما أسهم في تشكيل شبكة اقتصادية نسائية متكاملة.
ومن اللافت أن السجلات القضائية توثق مشاركة النساء في صفقات مالية ضخمة، إذ كانت بعضهن يُقرضن مبالغ كبيرة، ويدرن شؤونًا تجارية لحسابهن، ويدخلن في شراكات مع تجار رجال، بل ومع نخبة التجار الذين تعاملوا مع الأسواق الشرقية والإفريقية.
كما تكشف الوثائق عن نساءٍ عملن في تجارة التوابل والذهب والرقيق، مما يدل على عمق اندماج المرأة في الحياة الاقتصادية بمختلف مستوياتها. كذلك كان للنساء دور بارز في الصناعات الصغيرة والحرف المنزلية، خاصة في الغزل والنسيج، وهي أنشطة شكلت ركيزة الاقتصاد المحلي في الريف والحضر. وقد ساهمت المرأة الريفية في إنتاج المنسوجات بغرض المقايضة أو البيع، بينما عملت النساء في المدن في ورش الغزل وصناعة الأقمشة، وهو ما جعل مساهمتهن في الاقتصاد الوطني ملموسة ومباشرة.
وتشير الوثائق إلى نماذج من الدعاوى القضائية التي تبرز وعي المرأة بحقوقها وثقتها في المؤسسة القضائية. ولقد بلغ احترام الملكية الفردية الخاصة بالمرأة في الريف والحضر حدا بعيدا، وصل إلى أنها كانت تقاضي زوجها بما لديها من حقوق مادية كالديون؛ فعلى سبيل المثال: ثمة دعوى قضائية في عام 1216 هـ (1801-1802م) رفعتها زوجة من الطبقة الدنيا لهذا وصفت بـ(الحرمة) ضد زوجها الذي كان يدعى (عليّ) في محكمة القاهرة تطالب باسترداد دين مُستَحَقٍ عليه كان قد اقترضه قبل عامين، قدره 10 ريالات (الريال: يساوي 90 نصف فضة، ونصف فضة كان يسمى بارة، والبارة: عملة صغيرة من الفضة، وكان القرش صاغ الواحد به 40 بارة).
ولم يلتزم الزوج بالسداد في الموعد المحدد المتفق عليه سلفا مع زوجته؛ بل زاد دينه حين اقترض منها سبع وسائد و(كليم)، وعلى الرغم من إقرار الزوج بالدَّين، وزعمه بأنه سدد 4 ريالات، وأنه باع الكليم بإذن زوجته، إلا أن القاضي قضى بإلزامه بسداد 10 ريالات كاملة، مضافا إليها ثمن الكليم، كما ألزمه بحتمية إعادة السبع وسائد، لأن الزوج عجز عن تقديم ما يثبت أنه سدد شيئا مما عليه من قرض، أو ما يفيد أنها أذنت له بالتصرف في وسائدها السبع والكليم. إلى هذا الحد بلغت المساواة والندية في تلك الحقبة بين الرجل والمرأة أمام القضاء الذي لم يبخل على المرأة بالإنصاف الذي كانت تستحقه.
وتعطي سجلات المحاكم في تلك الحقبة صورة جلية عما كانت عليه المرأة المصرية خصوصا القاهرية آنذاك من وعي بحقوقها، ومثابرة للحصول عليها، مطمئنة فيما يبدو إلى عدالة المنظومة القضائية؛ فعلى سبيل المثال: ثمة دعوى قضائية أقامتها امرأة تدعى فاطمة خاتون (وهو اللقب الذي كان يطلق عادة على نساء الطبقة العليا) ضد زوجها، فحواها أنه تركها مع زوجته الثانية التي تدعى نصرة بنت عبد الله السوداء، في بيته بشارع السماكين، في خط الصليبة، وفر هاربا إبان احتلال الفرنسيين للقاهرة، وغاب عنها عاما وثلاثة شهور، دون أن يترك لها نفقتها الشرعية الواجبة عليه؛ فقامت زوجته سالفة الذكر برفع دعوى قضائية تطالب بحقها في النفقة في غرة صفر 1214هـ (4 يوليو 1799م)، وقد حكم لها القاضي بثلاثين نصف فضة (بارة) يوميا. وحين عاد زوجها بعد نحو خمسة عشر شهرا، رفعت الزوجة دعوى قضائية تطالب بتنفيذ حكم النفقة منذ أن غادر زوجها إلى شهر رجب 1216هـ (نوفمبر 1801م)، ومجموعه 293 ريالا مصريا، ودافع الزوج عن نفسه أمام المحكمة شارحا أنه قبل فراره دفن في بيته صناديق فيها مجوهرات وأموال، وحين سأل القاضي الزوجة عن ذلك أنكرت علمها به، إضافة إلى أنها هجرت ذلك البيت بسبب احتلال الفرنسيين القاهرة، ولم تعد إليه منذ ذلك الوقت؛ فقضت المحكمة لها بالنفقة كاملة (293 ريالا مصريا) في 6 شعبان 1216هـ (11 ديسمبر 1081م). إن الحكم بهذا المبلغ -الذي يعد كبيرا في تلك الحقبة- لا يدل على ما كانت تتمتع به المرأة من حقوق فقط؛ بل إنه يشير إلى أن منظومة القيم التي كانت تحكم المجتمع آنذاك تجاوزت مرحلة منحها حقها إلى مرحلة أرقى وأبعد بلغت حد الدلال! ومثل هذه الحوادث تؤكد أن القضاء الشرعي آنذاك لم يكن منحازًا للرجل على حساب المرأة، بل منحها حق التقاضي الكامل والمساواة أمام القضاء.
ومما يجدر ذكره أنه إذا كان الميراث حينذاك من مصادر الثروة لدى المرأة؛ فإنها كانت تحصل على حقها فيه دون منغصات، ولم يكن شائعا حرمانهن من هذا الحق آنذاك.
ولا يقتصر الدور النسوي في تلك الفترة على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي. إذ شهد عهد خسرو باشا أولى صور الاحتجاج النسوي الجماعي حين خرجت النساء ثائرات في 28 فبراير 1803م، نحو الأزهر في تظاهرة احتجاجية جماعية كلها من النساء وصحن في زعماء الأمة -وهم العلماء- وأجبروهم على ترك التدريس والذهاب للباشا ليرفع المظالم، فما كان من العلماء ثم الباشا إلا أن سعوا لامتصاص غضبة النساء المتظاهرات؛ فطاوعهن العلماء وتركوا التدريس وذهبوا معهن للباشا الذي وعدهن خيرا. يقول الجبرتي عن تظاهرة 28 فبراير 1803م هذه: "اجتمع الكثير من النساء بالجامع الأزهر، وصاحوا بالمشايخ وأبطلوا دروسهم، فاجتمعوا بقبلته، ثم ركبوا إلى الباشا فوعدهم بخير حتى ينظر فى ذلك"، هذا المشهد الفريد يبرهن على أن المرأة المصرية لم تكن مجرد مراقب للأحداث السياسية، بل كانت قادرة على التعبير عن مطالبها والتأثير في القرار العام عبر وسائل احتجاج جماعي سلمية.
وهنا تبدو المرأة المصرية ثائرة في جرأة، حين خرجت للتظاهر والاحتجاج في الأزهر، ولدى الباشا دون حرج أو إنكار من أحد. وكما خرجت المرأة المصرية محتجة لدى الصدر الأعظم خرجت محتجة ضد خسرو. وتوالت احتجاجاتها كلما استدعى الموقف ذلك حتى تولى محمد علي باشا وبعد أن تولى.
ولهذا فليس صحيحا ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن المصريين "بعد رحيل الحملة الفرنسية، تقبلوا عودة حكم العثمانيين والمماليك بأساليبهم القديمة في العسف والاستبداد والابتزاز، دون أن يبدو أي اعتراض عليها. فهذا مجاف للحقيقة مناف لواقع الحال آنذاك.
لكن سرعان ما تدهورت أوضاع النساء مجددًا مع تفاقم فساد خسرو باشا واضطراب أحوال الجيش والإدارة؛ إذ تعرضت النساء لأبشع صور الانتهاك والعدوان على يد الجنود الساخطين الذين لم يتلقوا رواتبهم، فانتشرت حوادث اختطاف النساء وقتلهن وسلب أموالهن في شوارع القاهرة، كما يروي الجبرتي في حوادث مارس 1803م.
هذا الانفلات الأمني كشف هشاشة الوضع السياسي والاجتماعي، وأظهر أن المرأة كانت من أكثر الفئات عرضة لتقلبات السلطة والاضطرابات العسكرية. ومع ذلك، لم تَغِب المرأة عن الفعل التاريخي، فقد واصلت مشاركتها في الدفاع عن مصالحها وفي التعبير عن رفضها للظلم، سواء في المحاكم أو في الشارع العام.
من خلال تحليل هذه الوقائع، يتضح أن المرأة المصرية في مطلع القرن التاسع عشر كانت تمتلك حضورًا فاعلًا متعدد الأبعاد. فهي متعلمة نسبيًا، ومشاركة في الأنشطة الاجتماعية، والاقتصادية، كما كانت لها حقوقا مرعية قانونيًا في المحاكم، وذات صوت احتجاج سياسي واجتماعي واضح. ومن ثم فإن الصورة التي تقدمها المصادر التاريخية، ولا سيما الجبرتي وسجلات المحاكم، تضع المرأة المصرية في موقع الفاعل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يتفاعل مع الأحداث لا المتلقي السلبي لها.
ويمكن القول إن هذا الحضور النسوي لم يكن استثناءً عارضًا، بل امتدادًا لتقاليد مصرية أصيلة في تمكين المرأة ضمن الأطر الشرعية والاجتماعية المتاحة آنذاك. فالمرأة لم تُقصَ من الحياة العامة إلا بقدر ما فرضته التحولات السياسية والأمنية، ومع كل استقرار نسبي كانت تستعيد حضورها ونشاطها. ويُعدّ انخراطها في نظام الالتزام والأوقاف والتجارة والحرف اليدوية دليلاً على استقلاليتها المالية، التي كانت ركيزة أساسية في تعزيز مكانتها الاجتماعية. ودليلاً على أن المشاركة النسوية لم تكن دخيلة على المجتمع المصري، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيجه الاجتماعي والثقافي.
إن تحليل الوقائع التاريخية التي جرت في فترة الاضطرابات السياسية التي أعقبت جلاء الحملة الفرنسية؛ يقود إلى نتيجة مهمة، وهي أن المرأة المصرية – في ظل الحكم العثماني المتأخر وعهد خسرو باشا – لم تكن مهمشة أو محصورة في الأدوار المنزلية فحسب، بل كانت عنصرًا مؤثرًا في الحياة العامة. ولعل في مظاهرة النساء بالأزهر أبلغ شاهد على ذلك في وقت كانت فيه مصر تمر بمرحلة تحول حاسمة. ومن ثم، يمكن القول إن تلك المرحلة التاريخية تمثل حلقة في مسيرة المرأة المصرية، تكشف النقاب عن مدى التفاعل المجتمعي المتعدد الوجوه، والذي يشي بأن الطريق لحركات الإصلاح والنهضة النسوية في العقود اللاحقة كان معبدا على نحو ما ولم يبدأ من الصفر كما قد يتصور البعض.
ويتبيّن من مجمل المعطيات التاريخية أن المرأة المصرية في مطلع القرن التاسع عشر تمتعت بدرجة معتبرة من الحضور الفاعل في مجالات الحياة المختلفة، وهو ما يعكس وعياً جمعياً متقدماً بدورها في البناء الاجتماعي. إن دراسة هذه المرحلة تكشف عن أنّ مسار تطور المرأة المصرية لم يكن وليد التحديث المتأورب اللاحق، بل امتدادًا تاريخيًا أصيلاً لجذورٍ راسخة في المجتمع المصري. ومن ثم، فإن إعادة قراءة هذه تاريخ هذه الحقبة يمثل ضرورة علمية لفهم البنية الاجتماعية لمصر الحديثة وإدراك عمق المساهمات النسوية في تشكيلها.
د. طارق السيد سليم
أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر
كلية الآداب ـ جامعة المنوفية
د. طارق سليم