صيد الغزلان في مرسى مطروح.. أين اختفى رمز المحافظة؟

23-11-2025 | 22:25
صيد الغزلان في مرسى مطروح أين اختفى رمز المحافظة؟ الغزال.. رمز محافظة مرسى مطروح

منذ زمن بعيد، ارتبط الغزال باسم مطروح، فترى رسمه على علم المحافظة، وتبدو صورته في الأعمال الفنية، وتلمحه يزدان به تراث أهلها، فبين دروب مطروح وميادينها ترى حديقة الغزال، ويجتمع الأهالي ليلاً للسمر وإعداد الزردة فيشربون "شاي الغزالتين" واليوم يقف الغزال شامخًا في أحد ميادين مطروح على الكورنيش كأنما يقول لكل من مر به «أنا هنا ... أنا مطروح»، الغزال لم يكن رمزًا فنيًا فحسب، بل كان جزءًا حيًا من بيئتنا الصحراوية في محافظة مطروح. 

موضوعات مقترحة


علم محافظة مطروح

الغزال.. رمز الهوية لمرسى مطروح 

إلى وقت قريب، كان يجوب صحارى مطروح بحرية، يُزين الطبيعة بحضوره الخفيف وظله الأنيق، وقد عاش أهل مطروح معه قصصًا لا تنسى من الحكايات القديمة عن مغامرات الصيد التي كانت تُروى حول النار في ليالي البادية.

رمزية الغزال ليست في شكله الجميل فقط، بل في معانيه الكبيرة مثل الرشاقة الأصالة، والحرية ... تماما كما هي مطروح.


حديقة الغزالة في مطروح

الغزال المصري

قبل أن يتخد الغزال طريقه نحو الانقراض بسبب الصيد الجائر وزحف العمران والتعدي على بيئته الطبيعية كان منتشرا في فلوات مصر وصحرواتها الغربية والشرقية وعلى امتداد السواحل والجبال الوعرة من سيناء وحتى مطروح، ولطالما حظي باهتمام البدو الذين تغزلوا في عينه الواسسعة وقرونه الطويلة وما عليه من رشاقة في المشي والجري، حتى دمه لم سيلم من هذا التغزل. 

ورغم أن البدو (سواحلية)، يقنون بالقرب من الشريط الساحلي، إلا أنهم لم يمتهنوا حرفة البحر رغم مجاورتهم له، كان البحر في مخيلة البدوي دائماً مصدراً للسوء والخط، يسكنه الجن وتجوبه سفن القراصنة، وحتى في الديانات السماوية والأساطير العالمية يقترن البحر دائماً بالجن الذي سكن الأرض قبل آدم.


تمثال الغزال أمام محافظة مطروح

لقد أيد السير تشارلز بليجريف الحاكم الإداري لمحافظة الصحراء الغربية (مطروح 1920م) هذه الحقيقة في مذكراته، فتحدثعن دهشته من غیاب حرفة صيد السمك وأعمال البحر عند البدو، على الرغم من أن ساحل مطروح كان قبلة لسفن الصيد اليونانية والإيطالية، وتنتشر عليه مخازن الاسفنج قرب متحف روميل حاليا، وتوجد مرافئ جيدة مؤهلة للصيد والتجارة مرفأ الأبيض والسلوم

ويذكر المستشرق برترام توماس (1893-1950م) بأن الزراعة مهنة تركها البدو الرحل؛ لأنها تعرضه لظلم السلطة والوالي ونظام السخرة، والبحر كان يعرضه لغدر القراصنة وأصحاب الأرض القدامى، ولذا أطلق البدوي على العمل أسم المهنة والمهنة من المهانة، ولجأ أهل البادية للجنوب حيث الصحراء وخيراتها يصطادون الغزلان والأرانب البرية والطيور مثل القطا والحجل والسمان وغيرها. 


تمثال الغزال أمام محافظة مطروح

ترك المستشرقون مجموعة من اللوحات التي تمثل رحلة الصيد لبدو من عربان مصر، نلمح في إحداها قيام البازي أو الصقر بصيد الغزال، والحق أن طرق صيده كثيرة ومتنوعة في الصحاري المصرية، وكانت تتم قبل انتشار الاسلحة النارية بالاستعانة بالصقور أو الكلاب السلوقية. 

يتم تدريب الصقر على مهاجمة االغزال ونقرها في عينها فتسقط، فينقض عليها الكلب السلوقي، الذي يعد أسرع كلب صيد في العالم، وبيسميه العرب بحسب موسوعة وصف مصر "عدو الغزال"،  ويمسك به كي يلحق بها البدوي على حصانه العربي الأصيل ويقوم بذبحه،

في اللوحة أيضا تظهر الخيول العربية المصرية الأصيلة، وهي واحدة من أفضل إذا لم تكن أفضل سلالات الخيول العربية جمالاً، وهي على خمس فصائل (صقلاوية، وعبيان، وكحيلان، ودهمان، هدبان)، وهي فصائل كل منها يتميز بميزة.


العدد الأول من مجلة مطروح عام 1960، ويظهر عليه رسم الغزال رمز المحافظة

صيد الغزلان

في السبعينيات والثمانينيات وآخر التسعينيات كان الغزال يوجد في صحراء مطروح قرب مدينة مرسي مطروح، وكان كثير من سكان مطروح يذهبون الى صيد الغزال قبلي الحرف ( نهاية هضبة مارمريكا)، كانت قطعان الغزلان تنزل بالقرب من أرض مطار مطروح تشرب ثم تعود أدراجها إلى الصحراء، ومع الوقت اختفت تماما في بداية الألفينيات، وهذا ما يفرض علينا التساؤلات، أين ذهبت غزلان مطروح؟، وما سبب وجود الغزال في مناطق معينة؟، وهل الغزال يتنقل من مكان إلى آخر مع تغير المناخ؟.. المسألة برمتها تحتاج إلى أبحاث ودراسات علمية وبيئية وتراثية. 


لوحة لأحد المستشرقين تظهر رحلة صيد بدوية لصيد الغزال

انواع الغزال بالصحراء الغربية 

1ـ غزال المهر أو غزال داما

الإسم العلمي Nanger dama 

هو أحد أنواع الغزال من إفريقيا، والتي تعيش في الصحراء الكبرى،  وتقوم بالهجرة في الصيف بحثًا عن الطعام، ثم تعود مع هطول المطر ونمو النباتات. 

ويعد غزال المهر من الحيوانات المهددة بالانقراض، ولوحظ الانخفاض الكبير في قطعان هذا النوع من الغزال؛ نظرًا للصيد الجائر للاستفادة من لحومها وجلودها. 


الغزال المصري

يعيش غزال داما في إفريقيا والصحراء الكبرى، وامتد إلى المغرب ومصر، ويستوطن غزال المهر المناطق الجافة والهضاب والمراعي، وتفضل القطعان البقاء في السهول الحجريّة المسطحة، وقد بدأت تتناقص أعداد غزال المهر بصورة كبيرة؛ بسبب الصيد الجائر، والمناخ الجاف، والذي أصبح غير ملائم لمعيشة هذا الغزال.

يتميز غزال المهر بقوام نحيل ومعطف بالبقع الحمراء مائلة للبني والأبيض، وألوان الغزال تختلف باختلاف السلالات، وتتميز هذه الغزلان بقرون منحنية للخلف ومقوسة على شكل حرف “S” وعادة ما يكون وزن ذكور غزال المهر أكبر من وزن الإناث ويزداد معدل أيض هذه الغزلان بحسب حجم الجسد.

ويبدأ موسم التزاوج عند غزال المهر خلال شهري أغسطس وأكتوبر، وتقوم الذكور خلال هذه الفترة بإظهار عدوانيتها عبر التبول والتبرّز على حدود منطقتها لتعليمها، بالإضافة إلى مطاردة الإناث وتجميعها وطرد الذكور المنافسة.


الغزال المصري

وتلد الأنثى خشفًا واحدًا على مدار السنة، وتقوم الأم بعزل صغيرها عن القطيع، وتقوم بالدفاع عنه وحمايته حتى بلوغ مرحلة النضج، والاعتماد على النفس، ويعيش غزال داما 12 عامًا في البريّة، وتبلغ 18 أو 19 سنة في الأسر.

وتعتمد غزلان المهر على الحشائش، وأعشاب الصحراء القاسية، وأوراق شجر السنط، وتحصل على معظم الماء الذي تحتاجه من عصارات النباتات التي تأكلها وتعتبر من الحيوانات الاجتماعية تعيش في قطعان وجماعات والحيوانات المفترسة التي تهاجم غزلان داما هى بنات آوى والفهود والضباع المرقطة والأسود.


الغزال المصري

وغزلان الصحراء من الحيوانات التي أصبحت مهددة بالانقراض؛ ورغم أن الغزال حيوان محبوب للبشر، لكن يمارس ضده من البشر وغير البشر بعض الممارسات التي جعلته ضمن قائمة الحيوانات المهددة بالانقراض حتى وضع في القائمة الحمراء.

كانت صحراء مطروح موطنًا للغزلان، وقد رأى الذين من قبلنا النعام  قبل انقراضه، واليوم لم يعد هناك أية قطعان للغزلان بسبب الصيد الجائر من المهربين والرعاة، وساعد انتشار السيارات على الانطلاق في رحلات الصيد في عمق الصحراء، وغادرت القطعان لأماكن أكثر أمنًا، ويكاد يقتصر وجودها حاليًا على بعض الواحات المهجورة في سيوة مثل واحة سترة وعين تبغبغ، وهناك محمية عين كيفارا (جيفار) وهي محمية طبيعية ولا أروع إلي الشمال من جارة أم الصغير بسيوة، ويكثر بها الغزال الأحمر وثعلب الفنك والكثير من الطيور المهاجرة.  


الغزال المصري

وفي الأمس القريب كانت أسراب الأرانب البرية وطيور القطا تجوب الصحراء صوب مصادر الماء، حيث تمكث أغلب النهار وتظهر في الليل ثم تعود للصحراء، أما الآن فلم نعد نرها، والسبب هو الصيد الجائر، حيث اعتاد كثير من الناس الذهاب إلى الصحراء ليلاً بعربات وبنادق الخرطوش، ويتم تسليط ضوء السيارة على أسرابها لحجب الرؤية، ومن ثم رميها بالخرطوش فيعودوا بكميات وافرة من الصيد. 

ومن القصص التي تروى في ذلك  أن رجلاً فقيرًا في أحد نجوع البادية لم يتزوج، وكان أهم شىء آنذاك ذبائح الفرح، وذهب لأحد رجال قبيلته الأغنياء؛ كي يساعده فى وليمة العُرس، وطلب منه ٢٠ رأسًا من الغنم، فسأله الرجل الغني عن موعد العُرس، فقال له: بعد أسبوع، فقال له: أبشر، وذهب من فوره مع مجموعة من أصدقائه للصحراء، واصطادوا ٣٠ غزالاً وأهدوها كلها له. 

ولحم الغزال أحمر وردي، خاليًا من الدهون، وهي تطيب سريعًا (سهلة النضج)، ونظرًا لهذا الصيد الجائر، حرصت الدولة علي عمل محميات طبيعية علي امتداد الصحراء الغربية فكانت محميتي (العميد، وسيوة).  


الغزال المصري

الغزال في ذاكرة الشعر العربي

ورد ذكر الغزال في العديد من عيون الشعر العربي والبدوي، فقديما أقسم الشاعر المصري ابن نباتة (768هـ/1366م) بجمال الغزلان قبل 600 عام، ليصف لنا أجمل المخلوقات التي زينت صحراء مصر المحروسة، فقال: 

بروحي من نص الغزال لها الولا.. وأقسم ما لي غير جفنك وارث

وعد البرايا حسنها فهو أول.. وشمس الضحى والبدر ثان وثالث


الغزال المصري

وهذا هو مجنون ليلى هجر الجميع بسببها وفارق أهله والديار وعاش في البرية حتى ألفته الظباء، وفي ذلك يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في ثنايا مسرحيته الشعية مجنون ليلى، في ذلك الحوار الذي دار بين المجنون وليلى حينما جاء يطلب منها الحطب، وهذه الأبيات التي شدا بها موسيقار الأجيال بصحبة أسمهان: 

«ليلى» نبّني قيسُ ما الذي لك في البيد من وطر؟ 
كلّ ظبي لقيتَه  صُغت في جيده الدرر
أترى قد سلوْتنا وعشقت المها الأخر
«قيس»:  غِرتِ ليلى من المها والمها منك لم تغر؟!
لستِ كالغيد لا ولا  قمر البيد كالقمر


الغزال المصري

أما رائد مدرسة الإحياء والبعث في الشعر العربي محمود سامي البارودي فيقول في حق الغزلان: 

ما كنت أعلم قبل بادرة النوى    أن الأسود فرائس الغزلان


رحلات صيد الغزال في مطروح قديما

أما شاعر مطروح البدوي فيقول عن الغزلان: 

جافل رأيت غزالة فى فج  تكره الضجيج
إن أحست بحركة بجانبها طارت كالغضوبة
دخلت يوم سوق فيه عراك

جافل ريت غزال إفجوج ..  كريه الدوج ..
 ان حس احراك احذاه ايفوج إيريح امعا لشعاب إيموج 
كما امحموقه .. خشت يوم الحامي سوقه

والغزال هنا رمز للمحبوبة؛ لأن التصريح بذكر أسماء النساء ليس مسموحًا به في عرف البدو، وهو من المحظورات التي لا يقبل المساس بها، لذا فقد حفل الشعر البدوي بالاستعارات والكنايات والمحسنات البديعية. 


رحلات صيد الغزال في مطروح قديما

رحلات صيد الغزال المطروحي في ذاكرة الكاميرا

كان أهالي مطروح يقطعون الصحراء في رحلات لصيد الغزلان، ومن أشهر صائديها في مطروح خلال فترة الستينيات الحاج مصطفى عبد الرحمن طرام، والشيخ عبدالزين الحشر، والحاج عبدالله الزوامـ والحاج الأشهب بوحمد (دقيس)، وفي السبعينيات والثمانينيات يبرز الحاج نصار شامخ، وعبد الحميد شامخ، ونصار طرام، والحاج رزق أبو وافي، والعمدة حميده شامخ،  والحاج صافي هارون والحاج عطية بوجرارية. 

الأثري عبد الله إبراهيم موسى 

مدير منطقة آثار مطروح للآثار الإسلامية والقبطية 


رحلات صيد الغزال في مطروح قديما

رحلات صيد الغزال في مطروح قديما

الأثري عبد الله إبراهيم موسى
# #   # #   # #  

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: