مراجعات صندوق النقد.. نهاية وبداية

23-11-2025 | 14:57

دخل التعاون بين مصر وصندوق النقد الدولي مرحلة النهايات بعد أن نجح الاقتصاد المصري في تجاوز الأزمة التي تعرض لها خلال السنوات الماضية، وزوال الأسباب التي دفعت الدولة للدخول في برنامج تعاون مع الصندوق، وبات الاقتصاد المصري يعمل بقوة الدفع الذاتي التي تؤهله للنمو والتطور، بل والقدرة على امتصاص الصدمات واستيعاب التحديات دون حاجة إلى عون أو معونة من الصندوق، الذي من المقرر أن يجري المراجعتين الخامسة والسادسة للاقتصاد المصري في الأول من ديسمبر المقبل ضمن الاتفاق الموقع عام 2022، وسط تأكيدات أن مصر لم تعد في حاجة بعد ذلك للدخول في اتفاق جديد مع الصندوق.

ولا شك أن دواء الصندوق كان مُرًا، وعلاجه للمشكلات الاقتصادية خلال السنوات الماضية كانت لها ارتدادات سلبية على شرائح مجتمعية واسعة بسبب الغلاء وارتفاع التضخم الذي صاحب إجراءات وسياسات قاسية كان لا بد منها، ما تسبب في تضرر طبقات محدودي ومتوسطي الدخل. وإن كان تدخل الدولة ببرامج حمائية قد ساهم في التخفيف من وطأة الأعباء والتقليل من الأعراض الجانبية لها.

ومن ينظر بإنصاف وموضوعية إلى واقع ومستقبل الاقتصاد المصري بعد إنهاء الاتفاق مع صندوق النقد سيتأكد أن هناك مرتكزات قوة أصبحت تحمل الاقتصاد المصري ويمكن الاعتماد عليها وتعظيمها في سباق النمو، وهناك أيضًا محاور تطور يمكن البناء عليها في معركة التنمية المستدامة والتقدم. فإذا كانت لغة الأرقام هي التي تجسد حقيقة الأوضاع، فإن مصر اليوم على أعتاب تحقيق معدل نمو يزيد على 5% مدفوعًا بطفرات كبرى في قطاعات السياحة والصناعة والزراعة وتحويلات المصريين في الخارج وإيرادات قناة السويس، وهذه المعدلات الكبرى كانت بعيدة المنال في السنوات الماضية.

فعلى سبيل المثال، تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الشهور التسعة الأولى من العام الحالي زادت بنسبة 45.1% لتسجل تدفقات قياسية بلغت نحو 30.2 مليار دولار وفقًا لبيانات البنك المركزي التي صدرت قبل أيام. فيما ارتفع صافي احتياطي النقد الأجنبي بمصر إلى 50.071 مليار دولار، وهو مؤشر مهم يوفر ضمانة قوية لاستمرار استقرار سعر الصرف، الذي سيترتب عليه جذب الاستثمارات الخاصة، والتي شهدت أيضًا نموًا تجاوز 60% خلال العام الحالي، مما يشير إلى وجود ثقة متنامية من المستثمرين في مناخ الاستثمار بمصر.

وإذا ما أضفنا بعض المؤشرات الأخرى مثل زيادة حجم الصادرات السلعية وارتفاع وتيرة توطين الصناعات المحلية مع الاتجاه النزولي للتضخم، ستكتمل الصورة التي تتلاقى خطوطها وتتقاطع عند حقيقة ساطعة تؤكد أن الاقتصاد المصري على أعتاب قفزات نوعية غير مسبوقة، تدعمها توقعات ودراسات لمؤسسات دولية معتبرة مثل "جولدن مان ساكس" تشير إلى أن الاقتصاد المصري سيصبح من أكبر 10 اقتصاديات خلال 15 عامًا.

وأظن هذا الكلام لا يقال مجاملةً لمصر، بل هو نتاج دراسات وحقائق علمية تدعمها وقائع وبيانات ومعطيات واضحة؛ لأن مثل هذه التقارير تمثل للشركات الكبرى والمستثمرين شهادة ثقة يتم الاعتماد عليها في اتخاذ قرار الاستثمار في الدول المعنية التي تتناولها هذه التقييمات، وإلا تُعتبر هذه المؤسسات مضللة وتقاريرها غير موثوق فيها.

يقينًا أن هناك حقائق جديدة على خريطة الاقتصاد المصري تفتح أبواب الأمل أمام الأجيال الجديدة التي أنهكتها أعباء وتداعيات الأزمات الاقتصادية التي عصفت بمصر طوال العقود الماضية، وللأسف كانت تعالج بالمسكنات فظلت تلازمنا جيلًا بعد جيل، حتى توافرت إرادة الإصلاح الاقتصادي الحقيقي. ورغم فاتورته المجتمعية الباهظة، إلا أن وعي الشعب كان الرهان الرابح في معركة الإصلاح.

[email protected]

كلمات البحث