22-11-2025 | 15:09

عندما تستعرض التفاصيل الدقيقة والصغيرة للتجربة التنموية لكوريا الجنوبية بكل ثرائها ونجاحاتها المشهودة، ستلاحظ أنها اعتمدت بالأساس على مبدأ تعظيم الاستفادة مما لديك من مقومات ومزايا، حتى لو كانت قليلة في نظر الكثيرين.  

وبفضل هذا المبدأ الرائد، تمكنت من اقتناص كل الفرص المتاحة والسانحة أمامها، وعدم التردد في اتخاذ القرارات الصارمة والصادمة أحيانًا، إلى أن أصبح اقتصادها يحتل المرتبة الثانية عشرة بين كبريات الاقتصادات العالمية، ويتجاوز حجم صادراتها السنوية حاجز الستمائة مليار دولار، ولها باع طويل وبارز في تطوير الصناعات الثقيلة التي شكلت العمود الفقري لنهضتها ونموها الاقتصادي والتكنولوجي في القرن العشرين والحادي والعشرين.

ولعل السمة الأبرز في التجربة الكورية هي الاستثمار الكثيف في العنصر البشري القادر على الإبداع والابتكار، وبما يعود بالفوائد الجمة على الدولة التي لا تبخل ولا تدخر جهدًا في بناء نظام تعليمي صارم يركز على العلوم والهندسة والرياضيات، ولا تتهاون قيد أنملة في جودة التعليم تحت أي ظرف من الظروف، وهو ما جعلها تمتلك قوة عاملة مؤهلة تمامًا للصناعات المتقدمة، فضلاً عن إجادة توظيف المكون الثقافي الكوري لتثبيت دعائم قوتها الناعمة، وفي وقتنا الراهن نرى كيف أن الثقافة الكورية بتنويعاتها الأدبية والموسيقية والفنية حاضرة في مختلف أرجاء العالم وبقوة، وعليها طلب متزايد، وباتت مؤثرة للغاية ومصدرًا مهمًا وأساسًا للدخل القومي.

وكان المدخل السابق ضروريًا وحتميًا قبل الولوج والتطرق إلى الزيارة المهمة التي قام بها رئيس كوريا الجنوبية، "لي جاي ميونغ"، إلى مصر بمناسبة احتفال البلدين بمرور ثلاثين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وخلال تلك السنوات، التي تعتبر قليلة نسبيًا، شهدت العلاقات المصرية الكورية طفرات ملحوظة، وينتظرها مستقبل واعد لحرص الطرفين على تدعيمها بكافة السبل الممكنة من ناحية، وانتهاز الفرص المهيأة لدى كل جانب بما يعود عليهما بالنفع من ناحية أخرى.


فمصر في الوقت الحالي توفر فرصًا استثمارية لا حصر لها، بفضل ما شهدته البلاد من إصلاحات اقتصادية ومالية في عهد السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي كان لها أبلغ الأثر في إخراج اقتصادنا الوطني من عنق الزجاجة الذي ظل محشورًا فيه لعقود متتالية دون العثور على مخرج آمن وسريع، وبالتأكيد فإن "سول" حريصة على الاستفادة منها بضخ مزيد من الاستثمارات، لا سيما وأن العديد من شركاتها الكبرى متواجدة منذ سنوات بالسوق المصري وتود زيادة حصتها وتواجدها فيه.

من جهتنا، تدرك مصر جيدًا أن هناك قطاعات حيوية مطلوب تدعيم التعاون الثنائي فيها، مثل الصناعات الثقيلة وتوطين التكنولوجيا المتصلة بها، والتعليم الذي توليه الدولة المصرية اهتمامًا فائقًا وتسعى لتخلصه من الجمود والتكلس الذي كان طاغيًا جراء الخوف من اتخاذ إجراءات جريئة وجذرية كي يتطور ويتقدم ويصبح إضافة حقيقية وملموسة في التطور الاقتصادي والصناعي.

وإن نظرنا للتجربة التعليمية الكورية، والتي يُضرب بها المثل دوليًا، سنجدها لا تعرف التساهل ولا الاستسهال، وتتسم بالشدة والجرأة، وتزيد حكومة "سول" ميزانيتها تدريجيًا إلى أن تجاوزت المائة مليار دولار سنويًا مؤخرًا. ومن بين المحاسن والمميزات العظمى في النظام التعليمي لكوريا الجنوبية أن لدي "سول" نسبة كبيرة من الطلاب ذوي الأداء العالي جدًا في الرياضيات، مما يدل على نظام قوي لتدريس المفاهيم الرياضية وحل المشكلات.

وتلك مناسبة نشير فيها إلى أن البعض لدينا لا يمعن النظر مليًا في مغزى وجدوى تطوير وتحديث نظامنا التعليمي بما يتواكب مع ما يشهده عالمنا من تطورات متلاحقة ومتسارعة، ولا يحاولون منح الفرصة لرؤية النتائج وعوائدها، ويستسهلون توجيه سهام النقد دون تمهل ورؤية ما سوف يسفر عنه تطبيقه عمليًا، وتتداخل الأهواء الشخصية وعدم الوعي لتشويش الجهد والمسعى للارتقاء بتعليمنا، مثلما فعلت كل الدول التي كُتب لها التفوق والنجاح في سعيها الدؤوب للتقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي.

وبدون أدنى شك، فإن الشطر الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية يقدر مكانة مصر الحضارية والتاريخية ودورها الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط المتخمة بالمشكلات والأزمات المستعصية، ويتوق إلى إعطاء دفعة قوية للعلاقات بين القاهرة وسول، والمجال مفتوح أمام البلدين لإحداث نقلة نوعية تخدم مصالحهما ومكانتهما الإقليمية والعالمية.

كلمات البحث
الأكثر قراءة