حين يحذّر أيقونة البورصة من الفقاعة

22-11-2025 | 14:30

حين يتحدث وارن بوفيت عن حال الأسواق المالية اليوم، ينبغي للجميع أن يُصغوا. فالملياردير الأسطوري الذي يقترب عمره من الخامسة والتسعين، وشهد العديد من دورات الصعود والهبوط في البورصة، يعرف جيدًا الفارق بين الاستثمار والمضاربة.

الاستثمار -كما يُعرّفه بوفيت- هو أن تمتلك حصة حقيقية في شركات تثق بقدرتها على النجاح عبر الزمن، وبعد أن تكون قد قمت بدراسة مُتعمقة لأعمالها ونموذجها المالي وفرص نموها. أما المضاربة فهي شراء سهم على أمل أن يرتفع سعره سريعًا ثم بيعه خلال أسابيع أو أيام أو أحيانًا ساعات قليلة.

ما يحدث في البورصات اليوم يبتعد كثيرًا عن الاستثمار الحقيقي، ويقترب من موجات مضاربة محمومة يحلم أصحابها بربح كبير، فينتهي الأمر بالكثيرين منهم إلى إفلاس سريع.

وحين يتحدث مايكل بيري، لا بد أيضًا من الإنصات. فالرجل – رغم كونه أقرب إلى المضارب منه إلى المستثمر التقليدي – أثبت قدرة استثنائية على قراءة الفقاعات قبل وقوعها. يكفي أنه كان بطل التنبؤ بأزمة الرهن العقاري عام 2008، حيث توقّع الانهيار بينما كان معظم أقطاب السوق في حالة إنكار. وقد حصد مليارات من تلك الرؤية الاستثنائية التي سجلها لاحقًا الفيلم الشهير: "الهبوط العظيم" The Big Short.

واليوم، بوفيت وبيري يُحذّران من أن فقاعة جديدة قد اكتملت ملامحها وربما وصلت إلى مرحلة النضج. ويريان أن المشهد الحالي يُشبه إلى حد كبير ما سبق انفجار فقاعة الدوت كوم عام 2000، حين فقد مؤشر التكنولوجيا نحو 80% من قيمته خلال عامين فقط. وقتها كان الحماس مُبررًا تجاه الإنترنت، تمامًا كما هو مُبرر اليوم تجاه الذكاء الاصطناعي.

المنتج ثوري بلا شك. لكن -وهذه نقطة بوفيت الجوهرية- المنتج الجيد لا يعني بالضرورة أن الاستثمار فيه جيد. فمع مطلع الألفية، كانت الإنترنت تَعِدُ بتقديم خدمات وإنجازات ستغيّر العالم، وكانت على حق، لكن أسعار الأسهم قفزت إلى مستويات لا علاقة لها بالأرباح الفعلية. 

وحين يصل سعر سهم ما إلى 500 ضعف أرباحه السنوية، فذلك يفترض نموًا يكاد يكون مستحيلًا. ومع استحالة تحقُّق تلك التوقعات، كان انفجار الفقاعة محتومًا. 

مقابر الإنترنت بعد انفجار الفقاعة ممتلئة بعشرات الشركات التي اختفت من الوجود، وفي مقابل كل عملاق نجا -مثل جوجل أو أمازون- هناك شركات عديدة أفلست دون أن يذكرها أحد.

وغالبًا ما يترافق هذا الانفجار مع تضخم أو أزمة أو صعود للفائدة .. وهذه ليست أسباب السقوط، بل اللمسة التي تفضح الهشاشة؛ فالسوق حين يمتلئ هواءً لا يحتاج أكثر من شرارة ليشتعل.

ما يُقلق بوفيت اليوم هو تكرار النبرة نفسها: نشوة ضخمة، استثمارات هائلة بلا خريطة واضحة للربحية، وشركات تُسعَّر بناءً على أحلام أكثر من كونها خططًا.
ويُعزّز بيري هذه المخاوف بتحذير إضافي: كثير من شركات التكنولوجيا تُظهر أرباحًا "ورقية" لا تعكس حقيقة وضعها. مثال بسيط: رقائق الذكاء الاصطناعي لها عمر إنتاجي يُقارب ثلاث سنوات، لكن بعض الشركات تحتسب الإهلاك على ست سنوات، ما يجعل أرباحها تبدو أعلى من الحقيقة ويخلق صورة مالية مُضلّلة للمستثمرين.

ثم يأتي التحذير الأخطر: التمويل الدائري والتركيز المُفرط. التمويل الدائري يُشبه دائرة مُغلقة من رأس المال تبدو قوية، لكنها خالية من القيمة الحقيقية. مثال ذلك: تستثمر شركة رقائق مثل إنفيديا عشرات المليارات في شركة ذكاء اصطناعي، وهذه الأخيرة تستخدم جزءًا كبيرًا من التمويل لشراء رقائق ذكاء اصطناعي من الشركة الأولى. هذا النمط كان مُقدمة مباشرة لانفجار فقاعة الإنترنت قبل 25 عامًا.

أما التركيز، فصورته واضحة اليوم: أكبر عشر شركات في مؤشر S&P 500 تُمثل 39% من وزنه - وهي نسبة أعلى من مستويات ما قبل انفجار فقاعة 2000، حين كانت تُشير إلى هشاشة السوق رغم لَمعان القمة.

خلاصة ما يُقدمه بوفيت وبيري ليست تشاؤمًا قدر ما هي دعوة للانتباه. 

فالتكنولوجيا عظيمة، وربما تُغيّر العالم بالفعل، لكن تكرار قصة «منتج رائع .. وسهم مُبالَغ في سعره» قد يفتح الباب إلى تصحيح عنيف. وبين نشوة المستثمرين اليوم والحقائق المالية الباردة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام صعود دائم... أم أمام فصل جديد من رواية الفقاعات التي لا يتعلم منها المضاربون إلا بعد فوات الأوان؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: