عندما نعتاد شيئًا لا نحس بقيمته، وقد نراه عاديًا لا يستحق التوقف عنده، والأسوأ أن نراه حقًا لنا وليس نعمة من الرحمن.
نظلم أنفسنا ظلمًا فادحًا باعتياد النعم، وما أعظمها وأكثرها، وعدم تجديد شكرها؛ فالشكر نعمة واختيار "وصيانة" للنعم، وصدق القائل: من كان في نعمة ولم يشكر، خرج منها ولم يشعر.
الاعتياد يجعلنا نتعامل مع النعم وكأنها غير مميزة ولا نشعر بأهميتها، ونُهمل زرع الامتنان لوجودها بقلوبنا وعقولنا.
لنتخيل -لا قدر الله- خلو حياتنا من أي نعمة اعتدنا على وجودها كالسمع والبصر والحركة والقدرة على تناول الطعام فضلًا عن شرائه ونعمة المسكن والأهل، وصدق رب العزة العلي العظيم: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا).
يؤذينا اعتياد النعم ويجعلنا في "جوع" للمزيد دائمًا، وما إن نحصل على بعض ما نريد "نظلم" أنفسنا ونشكر الله قليلًا، ثم نواصل "الجري" المحموم للفوز بالأكثر، ولا ننكر الرغبة المشروعة في الفوز بأفضل خيري الدنيا والدين؛ فقط نحذر من تناقص "رصيدنا" من شكر النعم.
نذكر بأننا "وحدنا" من نحتاج دينيًا ودنيويًا للشكر؛ فالرحمن عز وجل هو الغني.
اعتياد النعم و"حرمان" النفس من نعمة شكرها والفرح بها وإجادة تقديرها يتسبب في عدم الرضا الإيجابي عن حياتنا، ويجعلنا نطيل التفكير فيما يضايقنا، وربما نصل "للتحسر" على النفس والشعور بسوء الحظ و"بقلة" نصيبنا في الحياة.
وكل هذه المشاعر المؤذية "تهدم" كل قوانا النفسية وتصيبنا بالأسى على النفس وترشحنا "للأمراض" النفسية والجسدية ولو بعد حين، وتلقي بالظلال السيئة على تعاملاتنا الاجتماعية ومع شركاء الحياة؛ فمن يتحسر على نفسه لا يمكنه الفوز بعلاقات ناجحة، وسيكون دائم الشكوى ولا أحد يحب صحبة الشاكي الذي لا يرضيه شيء.
كما يعاني دائمًا بسبب الحرمان من الفرح بالنعم، وغياب الفرح يجعل الحياة قاسية ومملة ويُضعف الطاقات ويُضفي الكآبة وهي عدو الصحة النفسية.
قد يحدث اعتياد النعم للانشغال الكثير بالمقارنة بما لدى الغير من نعم، وتناسي ما لدينا، وتجاهل ما يؤلمهم؛ فلا أحد منا تخلو حياته من بعض التكدير.
يقترن كثيرًا اعتياد النعم مع الخوف من فقدان النعمة، والتركيز على المشاكل واحتضان الرثاء للنفس وكأننا وحدنا الذين نعاني في الحياة، والأسوأ توقع حدوث ما نكره.
نود تذكر الآية الكريمة: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
من أسباب اعتياد النعم؛ الانشغال الزائد بتفاصيل الحياة اليومية وما تحتويه من مضايقات أو خلافات تعكر صفو الحياة ولو مؤقتًا، والتركيز المبالَغ به في الأمور المادية، والهلع عند حدوث ما لم نتوقعه، ونكون في هذه الأوقات في أمس الحاجة لتجديد شكر الرحمن على النعم التي اعتدنا وجودها مع الأسف.
فالشكر عندئذ يكون طوق النجاة الذي "يُنقذنا" من الغرق في الحياة ولا يجعلها كل همنا.
فتجديد شكر النعم التي اعتدنا وجودها يوسع الحياة ويُشعرنا بقدر لطيف من "البراح" نحتاجه جميعًا، وغيابه يُضيّق الحياة ويُصيب الصدور "بالاختناق" النفسي؛ الذي يجعلنا نثور على أتفه الأسباب ونبالغ في ردود أفعالنا.
وكيف لا نفعل؟ وقلوبنا وعقولنا لا تمتلئ بالشكر الذي يُطمئن ويُهدئ، ويذكرنا بأن المُنعم عز وجل الذي رزقنا بلا حول ولا قوة منا ما لدينا من نعم، سيتكفل بنا في كل ثواني أعمارنا وسنواتها وسيزيل الوجع ويأتي بالفرج.
تجديد الشكر على النعم "المعتادة" يغنينا عن طلب التهدئة من الغير؛ فكأس الشكر يروينا ويُنعش قلوبنا ويريح عقولنا "المُنهَكة" من التفكير في الضغوط بأنواعها والتي لا تخلو منها أي حياة في الكون.
وقيل عن حق أن كلمة الحمد لله نعمة تستحق الشكر؛ فالشيطان اللعين دائمًا "يُحاصرنا" لمنعنا من الشكر لعظيم مكاسبه ويريد حرماننا منه، والكرة دومًا في ملعبنا، هل نستجيب لإبليس اللعين ونكون لعبة في يديه يحركها كما يشاء، أم نتنفس العزة ونستعين بالله سبحانه وتعالى ونستغيث به من الشيطان؟
الشكر هو الحافظ للنعم وغيابه يُعرّضها للزوال، والأسوأ أنه يحرمنا من رضى الرحمن وهو الفوز العظيم في الدارين، أليس كذلك؟
من أسباب اعتياد النعم كثرة الجلوس مع مدمني الشكوى؛ فتنتقل إلينا العدوى ونُقلل من أهمية النعم التي رزقنا بها المُنعم عز وجل، وربما شعرنا أننا رائعون لأن أصحاب الشكوى لديهم نعم أكثر منا ومع ذلك يكثرون من الشكوى. والمؤكد أن شكر الرحمن نعمة ومن يُحرم منها يعيش محرومًا ولو امتلك الدنيا وما فيها.
نود تذكر من يتمنون بعض النعم التي لدينا، ليس لتقدير النعم التي اعتدنا وجودها فقط، وتقدير أهميتها وتعظيمها ومضاعفة شكر الرحمن عليها فقط، ولكن أيضًا للدعاء لهم بأن يرزقهم الرزاق ما يُقر به أعينهم في الدارين.
وألا يتوهم أحد منا أنه فاز بالنعم لأفضليته، أو لدعاء أهله له أو لطيبة قلبه وحسن عمله، وتذكير النفس بالآية الكريمة: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، وألا نقترب من خطيئة قارون الذي توهم أن ثروته بفضله.