اكتشفت مؤخرًا عالمًا جديدًا كبيرًا اسمه عالم العمل الخيري والتنموي، هذا العالم الذي بمجرد دخوله يُشعرك بسعادة غامرة ويملأ روحك بالرضا عن الذات... السعادة هنا تنبع من العطاء، والرضا عن الذات يأتيك من واقع قيامك ببعض واجبك تجاه المجتمع وتجاه الآخر أيًا كانت عقيدته أو أفكاره أو مبادئه.
هذا العالم يُبرز المعنى الإنساني للتكاتف والتضامن، هذا المعنى الذي تلمسه في وجوه المستفيدين، ولا يتأتّى لنا أن نعيش بدون هذا التكاتف والتلاحم، فهو ما يُميّز هويتنا كأمة ويكشف عن معدننا كشعب.
للجمعيات الخيرية دور محوري في دعم ما تقوم به الدولة تجاه الطبقات الأقل حظًا، فلن تستطيع الدولة مهما بلغ عزمها وإمكانياتها أن تفعل كل شيء وأن تصل لكل شخص يحتاج العون. فالجمعيات المنتشرة في ربوع مصر عليها عاتق كبير ومسئولية ثقيلة في خدمة أبناء هذا الوطن المستحقين.
لذلك، لزامًا على كل الأطراف أن ترعى الجمعيات الخيرية في بداية عهدها بالنصح والإرشاد حتى يشتد عودها وتُصبح قادرة على العطاء والمشاركة بقوة وفاعلية.
ومن هذا المُنطلق أضع هنا بعض النقاط التي أرى أهميتها للجمعيات التي تأخذ أُولى خطواتها في خدمة المجتمع المصري.
أولًا، لا بد من إيلاء اهتمام خاص بـ الحوكمة المالية، وضبط وتوثيق كل التبرعات والمصروفات، وإعلاء مبدأ الشفافية الكاملة في كل ما يخص ماليات المؤسسة، وذلك حتى تكون الأسس متينة والقاعدة سليمة حفظًا للمال العام ودرءًا للشبهات.
ثانيًا، لا مَحيص عن دعم المؤسسات الجديدة ماديًا في بداية مشوارها، وذلك لصعوبة جلب التبرعات وتمويل الأنشطة الخيرية والتنموية في أول ستة أشهر. وأنا هنا أدعو إلى إيجاد آلية مستدامة تُحقق هذا الغرض وتؤازر المؤسسات حديثة العهد حتى تقف على قدميها وتستقر على مصادر تمويلها.
ثالثًا، من المهم بمكان أن يتلقى العاملون في الكيانات الخيرية الجديدة تدريبًا وتأهيلًا جيدًا يُمكّنهم من أداء رسالتهم باحترافية وتَمكُّن، ويَخلق منهم كوادر قادرة على العمل الأهلي الفاعل، مما ينعكس في النهاية على جودة الخدمة المُقدمة وتماسك المنظومة الأهلية بالكامل.
رابعًا، أهمية التعاون ونقل الخبرات بين الجمعيات صاحبة الخبرة وتلك حديثة العهد، مما يُسهم في سرعة اكتساب الجمعيات الجديدة للخبرات والمعرفة المطلوبة لأداء رسالتها على النحو الأمثل.
خامسًا، لا مَناص من اجتذاب الجمعيات الجديدة لمتطوعين شغوفين بالبذل، متعطشين للخدمة، وتوَّاقين لإسعاد الآخرين، وبالتالي نضخ دماء جديدة في شرايين الجمعيات الجديدة تُؤهلها للتوسع وسرعة الحركة والعمل على اتجاهات متعددة في توقيت واحد.
سادسًا، لا مَفَرَّ من التخطيط الجيد والواقعي لكل الأهداف المرحلية والمستقبلية، بحيث تخطو الجمعيات الجديدة بثبات للوصول إلى هدفها بناءً على خطط مُحكمة وآليات تنفيذ واضحة ومُدَد زمنية مُحددة.
سابعًا، الأهمية الحرجة لقياس الأثر وتحليل بيانات ما بعد تنفيذ النشاط، حتى يتسنى للجمعيات الجديدة أن تُقيّم أنشطتها وتُراجع خططها وتستفيد من أخطائها، مما يُؤهلها لأن تكون أكثر فاعلية في المساهمة في العمل المجتمعي بشكل عام.
أخيرًا، فإن انطباعي العام أن العمل الخيري في مصر بخير ويتطور ويتقدم يومًا بعد يوم، ولكني أدعو دائمًا إلى التطوير المستمر وتراكم الخبرات والاستفادة من تجارب الآخرين حتى نصل إلى ما نبتغيه ونُحقق ما نصبو إليه.
[email protected]