بناء القدوة والهوية في "دولة التلاوة"

20-11-2025 | 13:30

تأتي مسابقة "دولة التلاوة" في وقت تحتاج فيه الأجيال الجديدة إلى نماذج إيجابية تعيد تشكيل وجدانها بعيدًا عن مسارات تزاوج الشهرة والثروة المنتشرة حاليًا، والتي تدور في فلك المطربين ولاعبي الكرة ومشاهير "التريند".

خيرًا فعل الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والقائمون على مسابقة دولة التلاوة بتقديم هذه المبادرة التي تستهدف إحياء القرآن الكريم داخل النفوس، وإبراز نماذج جيدة يمكن أن تمثل قدوة لأجيال في بداية الطريق، وتؤكد أن الشهرة والثروة لمن يريدهما ليستا قاصرتين على الفن والرياضة فقط، ولكنهما نتيجة للإبداع والتميز في المجالات المختلفة، خاصة أن المجتمع يحتاج فعلًا إلى قدوات في العلم والدين والفن والرياضة والثقافة.. وغيرها، بعد أن ظل سنواتٍ يعيش ميلًا قويًا لصالح نموذج الترفيه فقط. المبادرة تأتي لتعيد الاعتبار لصوت القرآن الكريم، وللمدرسة المصرية الأصيلة في التلاوة التي صاغت وجدان الأمة عبر عقود طويلة.

إن القيمة الحقيقية لهذه المسابقة لا تنحصر في جانب المنافسة، بل في قدرتها على تقديم "قدوة" قائمة على الانضباط والاجتهاد واحترام العلم. فالمتسابق الذي يحفظ ويفهم كتاب الله، ويتقن التجويد، يصبح نموذجًا يَقتَدِي به الأطفال والشباب.

"دولة التلاوة" خطوة على طريق إعادة صياغة القدوة، إذا ما جرى البناء عليها لتشمل برامج للمشاركين لفهم القيم السامية التي يدعو إليها القرآن الكريم والسنة النبوية، بحيث يصبح القارئ شابًا مثقفًا ومؤثرًا، لا مجرد صاحب صوت جميل.

أتمنى أن تكون هناك مسابقة خاصة بحافظي القرآن الكريم ممن تقل أعمارهم عن الستة عشر عامًا، بعيدًا عن المنافسة مع الأكبر سنًا كما يحدث حاليًا؛ لأن المنافسة غير متكافئة؛ نتيجة لطبيعة الأصوات في الفئات العمرية.

كما أتمنى أن تشهد الدورة القادمة حضورًا من الدول الإسلامية، وأن تتولى وزارة الأوقاف بالتعاون مع وزارة التعليم إرسال المتسابقين إلى المدارس والجامعات في مختلف المحافظات سفراءً للتلاوة ونشر قيم الرحمة والانضباط والاجتهاد.

ضمان استمرار المبارة وتطويرها يمثل فرصة جاذبة لكبار رجال الأعمال للمساهمة فيها، وأحسب معظمهم ينفقون الكثير في أوجه الخير استثمارًا فيما هو أبقى.

إن بناء القدوة لم يعد ترفًا، بل ضرورة مجتمعية، وإذا نجحت هذه المسابقة في ترسيخ نموذج القارئ الشاب الواعي بتعاليم دينه وقيمه، فستعيد تشكيل خرائط التأثير لدى الجيل الجديد، وستمنح الأسر نموذجًا إيجابيًا يواجه الضجيج الرقمي الذي يملأ يومهم.

هذا النوع من المبادرات مهم جدًا لإعادة بناء الوعي والهوية والقدوة لدى الأجيال الجديدة، ويعزز القوة الناعمة الدينية والثقافية لمصر؛ حيث يمكن أن تصبح دولة التلاوة مشروعًا وطنيًا يقدم للمجتمع نماذج مضيئة نحتاج إليها في معركة بناء الوعي والهوية الوطنية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: