تصاعد التوتر في الكاريبي.. السيناريوهات المحتملة للصراع الأمريكي ـ الفنزويلي

20-11-2025 | 02:28
تصاعد التوتر في الكاريبي السيناريوهات المحتملة للصراع الأمريكي ـ الفنزويلي  محمد الطماوي - اسماعيل تركي- دعاء المهدي - محمد ربيع
تحقيق: محمد الطماوي
الأهرام العربي نقلاً عن

د. إسماعيل تركي: الصدام يدور حول تغيير النظام والسيطرة على الثروات الوطنية

موضوعات مقترحة
د. دعاء المهدي: الكاريبي على صفيح ساخن والأزمة الفنزويلية على حافة الانفجار
محمد ربيع: واشنطن قد تلجأ للتدخل العسكري أو اعتماد وساطة البرازيل لحل الأزمة

تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا إلى مستويات غير مسبوقة في مياه الكاريبي، في ظل حشد عسكري أمريكي ضخم قبالة السواحل الفنزويلية، هذا الحشد يشمل حاملات طائرات ومدمرات صواريخ وغواصات نووية، بالإضافة إلى آلاف الجنود، فيما تصفه واشنطن بأنه جهود لمكافحة تهريب المخدرات، بينما ترى كراكاس فيه تهديدا مباشرا لأمنها وسيادتها الوطنية.

من جانبه، أعلن الرئيس نيكولاس مادورو تعبئة واسعة للقوات المسلحة، ووضع بلاده في حالة استعداد قصوى، مستدعيا القوات البرية والجوية والصاروخية، إلى جانب الميليشيات الشعبية، مادورو اعتبر هذا التمركز الأمريكي محاولة واضحة للضغط على النظام الفنزويلي، مؤكدا رفض أي تدخل خارجي يمكن أن يهدد أمن فنزويلا وسيادتها.

لكن ما وراء هذا التصعيد العسكري يكشف عن صراع جيوسياسي أعمق، فالولايات المتحدة لا تكتفي بالضغط الداخلي على فنزويلا، بل تهدف أيضا إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، في حين تسعى كراكاس للحصول على دعم دول مثل روسيا والصين سياسيا وعسكريا، هذه المعادلة تزيد من تعقيد المشهد، وتجعل المنطقة أمام احتمالات عدة، من المناورات العسكرية المحدودة إلى مواجهة أوسع بين القوى الكبرى.

وسط هذا المناخ المتوتر، تثار أسئلة حاسمة حول ما يمكن أن يحدث قريبا: هل ستقتصر المواجهة على الضغط السياسي والاقتصادي؟ أم أن واشنطن قد تلجأ إلى ضربات جوية محدودة داخل الأراضي الفنزويلية؟ وهل هناك احتمال لتصعيد أكبر قد يشمل مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى في المنطقة؟ هذا التحقيق يسعى لاستعراض السيناريوهات المحتملة، وتحليل المخاطر والتداعيات على فنزويلا والمنطقة بأسرها، لفهم مستقبل الصراع الأمريكي  الفنزويلي في الكاريبي.

الغزو الشامل

في البداية، قال الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، إن جوهر الصراع بين الولايات المتحدة وفنزويلا يكمن في رغبة واشنطن في تغيير النظام في كراكاس تحت ذرائع متعددة تشمل استعادة الديمقراطية، مكافحة تجارة المخدرات، والحد من الفساد والجريمة، موضحا أن الأهداف الحقيقية لهذا التصعيد تتعلق بما تملكه فنزويلا من ثروات هائلة، من احتياطي نفطي ضخم إلى المعادن الثمينة، ورغبة الولايات المتحدة في السيطرة على هذه الموارد وجعل فنزويلا منطقة نفوذ استراتيجي. وفي المقابل، أكد أن إصرار نظام مادورو على الصمود ورفض أي تدخل أمريكي في سيادة بلاده يمثل حجر الزاوية في المواجهة الحالية.

وأشار تركي إلى أن الإدارة الأمريكية تعتمد حاليا على مجموعة من الأدوات تشمل العقوبات الاقتصادية المشددة، الضغط الدبلوماسي، والحشد العسكري المحدود في منطقة البحر الكاريبي، تحت ذريعة مكافحة تهريب المخدرات، ومع ذلك، فإن نظام مادورو يواصل الصمود، وهو ما تؤكده تصريحاته الأخيرة وتحذيره الشعب الأمريكي من مغبة خوض فيتنام جديدة، في محاولة لردع أي تدخل عسكري مباشر، وإظهار التكلفة البشرية والسياسية العالية لمثل هذه المغامرة، محذرًا من أن أي مواجهة قد تتحول إلى حرب عصابات طويلة ودموية.

وأوضح تركي أن مادورو يعتمد في موقفه الصلب على دعم الجيش وميليشيات شعبية مسلحة، بالإضافة إلى الدعم الإقليمي والدولي من حلفائه، وعلى رأسهم روسيا والصين، مما يعزز موقفه ويصعب أي محاولات للتدخل المباشر، مضيفا أنه يمكن تقسيم السيناريوهات المحتملة للصراع إلى ثلاثة مسارات رئيسية:

وصف أستاذ العلوم السياسية السيناريو الأول بأنه المرجح حاليًا والأقل تكلفة سياسيا وعسكريا للولايات المتحدة، ويشمل تشديد العقوبات على قطاع النفط والقيادات السياسية، الدعم المالي والدبلوماسي للمعارضة الفنزويلية، وعمليات استخباراتية لزيادة الضغط الداخلي على النظام بهدف تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية، ما قد يؤدي إلى انهيار النظام أو تفجير الدولة من الداخل، ومع ذلك، أشار إلى أن هذا السيناريو لا يضمن سقوط النظام، خاصة مع قدرة مادورو على الصمود مستندا إلى دعم الجيش والدعم الخارجي، لكنه قد يزيد من حالة عدم الاستقرار الإقليمي ويؤدي إلى تدفق أكبر للاجئين.

رأى الدكتور تركي أن احتمالية السيناريو الثاني تصل إلى نحو 50%، ويحدث عادة كرد فعل على فشل الضغط غير العسكري أو وقوع أحداث تغير قواعد اللعبة، مثل هجوم على مصالح أمريكية أو إقليمية، وقد يشمل هذا السيناريو ضربات جوية محدودة، عمليات خاصة لاستهداف قيادات، حصار بحري، أو دعم تمرد داخلي ضد مادورو، دون شن غزو بري شامل، مضيفا أن مثل هذا السيناريو يزيد من احتمالية مواجهة مسلحة طويلة الأمد، وأن أي مقاومة من أنصار مادورو والمليشيات الشعبية قد تتحول إلى حرب عصابات طويلة، كما حذر مادورو سابقًا.

كما وصف السيناريو الثالث بأنه الأقل احتمالا، ويتعلق بمحاولة الولايات المتحدة إرسال قوات كبيرة لتغيير النظام بالقوة المباشرة، وأوضح أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى صراع طويل الأمد ومكلف جدا، شبيه بتجارب الولايات المتحدة السابقة في العراق وأفغانستان وفيتنام، كما أشار إلى أن أي اضطراب كبير في فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، سيؤثر على أسعار النفط العالمية والأسواق الدولية، وأضاف أن دعم روسيا والصين للنظام الفنزويلي سيشكل عامل ردع رئيسيًا أمام أي تدخل أمريكي واسع، وسيؤثر في طبيعة أي تصعيد محتمل.

واختتم الدكتور إسماعيل تركي تصريحاته بالتأكيد على أن هذا الصراع متعدد الأبعاد، وأن تطورات الأيام المقبلة ستحدد أي السيناريوهات ستتحقق، مشيرا إلى أن الدعم الدولي الإقليمي والدولي سيكون عاملا حاسما في قدرة فنزويلا على مواجهة أي محاولات للتدخل الأمريكي المباشر.

حاملة الطائرات

من جانبه، أكد محمد ربيع الديهي، الباحث في الشأن اللاتيني، أن الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وفنزويلا ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج سنوات طويلة من الخلاف بين البلدين حول عدة ملفات، أبرزها موقف فنزويلا الرافض للسياسات الأمريكية خارج إطار القانون الدولي.

وأضاف أن ما يميز المرحلة الحالية هو أن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب لم تكتف بفرض عقوبات أحادية الجانب أو التدخل في الشأن الداخلي عبر دعم المعارضة، بل تشير مؤشرات عدة إلى احتمال تدخل عسكري مباشر بهدف إسقاط النظام الفنزويلي، موضحا أن النظام القائم في فنزويلا هو نتاج توافق الشعب الفنزويلي، كما أن الادعاءات الأمريكية حول دعم فنزويلا لتهريب المخدرات غير واقعية من الناحية العملية.

وأشار الديهي إلى أن السيناريوهات المستقبلية للأزمة تتراوح بين تدخل عسكري محتمل، وهو ما توحي به التحركات الأمريكية في الكاريبي، بما في ذلك إرسال حاملة طائرات وقطع بحرية، الأمر الذي قد يعيد إلى الأذهان ما حدث في الشرق الأوسط مع إسقاط نظام صدام حسين، وبين قبول الولايات المتحدة وساطة إحدى الدول اللاتينية، مثل البرازيل، التي أعلن رئيسها لولا دا سيلفا استعداد بلاده للعب دور الوسيط، وهو احتمال وارد بقوة خاصة أن أي عملية عسكرية قد تزيد من خسائر واشنطن وتفاقم الأزمات في المنطقة اللاتينية.

كما أشار الديهي إلى إمكانية استمرار حالة الضغط على النظام الفنزويلي دون تدخل عسكري مباشر، بهدف إحراجه وفرض ضغط داخلي عليه للرحيل أو على الأقل إثارة القلاقل، وهو السيناريو الأقرب للتطبيق، نظرا لسيكولوجية الشعب الفنزويلي الذي يزداد التفافه حول قيادته السياسية أثناء الأزمات.

وأكد الديهي أن التحركات الأمريكية الأخيرة لم تؤثر في موقف الداخل الفنزويلي، بل عززت من حدة الرفض الشعبي للسياسات الأمريكية، مما يعني أن أي تصعيد من واشنطن سيقابله تصعيد شعبي وسياسي في فنزويلا.

السيناريوهات المستقبلية

من جانبها، قالت د. دعاء المهدي، مدرس العلوم السياسية المساعد بجامعة الإسكندرية، إن الحشد العسكري الأمريكي في منطقة الكاريبي واحتمال تصاعد التوترات مع فنزويلا يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة للأزمة الحالية.

وأضافت د. المهدي أن السيناريو الأول يتمثل في الضغط السياسي والدبلوماسي المتصاعد، حيث تستخدم واشنطن الحشد العسكري كأداة ضغط لفرض تنازلات على نظام نيكولاس مادورو، خصوصا فيما يتعلق بالانتخابات وحقوق الإنسان وقطاع النفط، وأوضحت أن العقوبات الاقتصادية تعزز بالتوازي مع المواقف الإقليمية الصارمة من دول أمريكا اللاتينية القريبة من واشنطن، مشيرة إلى أن هذا السيناريو يستبعد حدوث تدخل عسكري مباشر، ويقتصر استخدام القدرات العسكرية على استعراض القوة والردع.

أما السيناريو الثاني، بحسب فيتعلق بالضربات العسكرية المحدودة، حيث لا يكون هناك غزو أمريكي كامل ومباشر، بل هجمات محدودة على مراكز معينة تهدف إلى زعزعة الحكومة وإحداث توترات داخلية، وقد يصل الهدف إلى الإطاحة بالرئيس مادورو، وأشارت إلى أن واشنطن في هذا السيناريو تكثف دعمها لجوان غوايدو أو رموز المعارضة الأخرى، مع تعزيز التنسيق الاستخباراتي والدعم المالي والإعلامي، ما قد يؤدي إلى احتجاجات موسعة أو انشقاقات داخل الجيش ويضعف النظام من الداخل، ويهيئ مناخًا داخليًا قابلًا للانقسام، بالتزامن مع السعي الأمريكي لإحداث تغييرات استراتيجية في بعض مناطق أمريكا اللاتينية.

وأضافت د. المهدي أن السيناريو الثالث يتعلق بالتحالفات الإقليمية المضادة، حيث قد يتحول التعاون الاستراتيجي بين كاراكاس وروسيا والصين وإيران إلى جعل فنزويلا ساحة نفوذ مضاد لواشنطن في نصف الكرة الغربي، ما قد يطيل أمد الأزمة ويضيف منطقة الكاريبي إلى ساحات الصراع بين القوى الكبرى في العالم، وأكدت أن العامل الحاسم في هذا السيناريو يعتمد على الموقف الروسي والصيني ورؤية كل منهما للأزمة. أما السيناريو الرابع، فيتمثل في التسوية والمفاوضات، حيث قد تؤدي الضغوط الاقتصادية المتزايدة وقنوات الاتصال الخلفية إلى التوصل إلى صفقة انتقال سياسي تحفظ لمادورو أو جزء من النظام بعض الضمانات، مقابل إجراء انتخابات حرة أو إصلاحات. 

وأوضحت أن هذا السيناريو يتطلب مجهودات وضغوطًا داخلية قوية، إلى جانب شبكة واسعة من الوساطة، لكنه يظل الأقل احتمالًا نظرًا لرغبة الولايات المتحدة في إجراء تغييرات استراتيجية في أمريكا اللاتينية، على غرار بعض المواقف الرسمية وغير الرسمية من الحرب في غزة.

الأزمة الكاريبية

ختاما، تظل الأزمة الأمريكية الفنزويلية في الكاريبي، مثالا واضحا على التعقيدات الجيوسياسية في نصف الكرة الغربي، حيث تتداخل المصالح الإستراتيجية والاقتصادية مع الحسابات السياسية الداخلية والخارجية، السيناريوهات المحتملة تتراوح بين الضغط السياسي والدبلوماسي، والضربات المحدودة، والتحالفات الإقليمية المضادة، وصولا إلى التسوية والمفاوضات، وكل مسار يحمل تداعيات مختلفة على فنزويلا والمنطقة بأسرها، وما يبرز في هذا الصراع هو صمود النظام الفنزويلي وتماسك الداخل الشعبي والجيش، مقابل رغبة واشنطن في فرض نفوذها وتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، ومع استمرار التحركات العسكرية والدبلوماسية في الكاريبي، يبقى المستقبل مفتوحا على احتمالات متعددة، لكن الثابت هو أن أي تصعيد أمريكي لن يمر دون رد فعل داخلي وشعبي حاسم، وسيشكل اختبارا حقيقيا لقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها في مواجهة مقاومة متزايدة ومستعدة لتحدي النفوذ الخارجي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة