في كل صلاة، كل ركعة، لا بد من قراءة سورة الفاتحة، وفيها: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. إقرار كامل شامل تام، بوحدانية الله تعالى، وتفرده سبحانه دون غيره بعبادة العباد.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ}: المفعول به (إِيَّاكَ) تقدم على الفعل والفاعل (نَعْبُدُ) للتأكيد على معنى الوحدانية. وهو أفضل تعبيرًا من "نعبدك" (الترتيب المعتاد: الفعل ثم الفاعل ثم أخيرًا المفعول به). "نعبد" (الفعل)، الضمير المستتر "نحن" (الفاعل)، "الكاف" (المفعول به). فالتقديم والتأخير، بالمخالفة للمعتاد، يؤكد تفضيل المتقدم على المتأخر في الأهمية.
ولأن هذه العبادة بحاجة إلى مساندة من الله جلَّت قدرته، إذ سيكون الشيطان وكثير من البشر أعداءً لها! وسيكون في هؤلاء البشر أصلاً، وبإيعاز من أنفسهم ومِن الشيطان نفسه، عابدون لغير الله! لذا جاءت: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. يعني نستعين بك يا الله في تحقيق {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}.
العبادة كلمة خطيرة المعنى، عظيمة النفع. للمؤمن، هي لله تعالى وحده بلا شريك، وهي تحقيق لأصل الإيمان: {لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}. وللكافر، قد تكون لحجارة أو دواب أو نجوم وكواكب! وقد تكون لبشر مثله! وهذا يحدث كثيرًا، بشكل مباشر أو غير مباشر.
مباشر، كأن يُعلن أحدهم ألوهيته، ويعبده الناس، كما فعل فرعون والنمرود. {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}.. قالها فرعون! {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}.. قالها النمروذ!
وغير مباشر، كأن يرى الناس في أحدهم أنه الضار النافع، المانع الرازق، هو لهم كل شيء وأهم شيء، ورضاه فوق كل شيء، رضاه فرض عليهم ومُنتهى أملهم. قد ينسون أبناءهم، لكنهم أبدًا لا ينسون له أمرًا! حدثوني عن بعضهم، لا يدخلون المسجد لصلاة الجمعة مخافة أن يطلبهم سيدهم، ولا يتمكنوا من الرد عليه! لقد توكَّلَ أناسٌ على أناسٍ، رغم أن الأصل والقاعدة: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}.
والعبادة أعم وأشمل مما يفهم كثير من الناس. العبادة شعائر ومعاملات. قد يتوقف كثيرون عند الشعائر، ويتناسون المعاملات. الدين عندهم صلاة الجماعة بالمسجد (على مكانتها العظيمة طبعًا)، أما خارجه، فالوضع يختلف، والأمور تتغير، والأحوال تتبدل.
إذًا نحن أمام نوعين من العبادة: العبادة القاصرة، والعبادة المتعدية.
قاصرة أي خيرها مقصور على القائم بها فقط، كالصلاة والصيام.
ومتعدية، خيرها يعود على المجتمع والناس، كالإصلاح بينهم، ودفع الأذى عنهم، وحل مشكلاتهم، وإغاثة ملهوفهم، ومساعدة محتاجهم.
هي إذًا عبادة صنائع المعروف، فـ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ، تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ. و أحبُ الناسِ إلى اللهِ، أنفعُهم للناسِ.
لقد أخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، عن رجل يتقلب في الجنة في شجرة قطعها مِن الطريق، كانت تؤذي الناس. وأخبرنا كذلك، أن الجنة فُتحت أبوابها لرجل سقى كلبًا كاد أن يهلك من العطش، بينما دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تُطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض.
العبادة عطاء، ومِن الجميل أن نعرف معنى هذا العطاء، والأجمل حقًا أن نعطي فعلًا، و الذي يُعطي سريعًا، يُعطي مرتين. والعبادة إن لم تقترن بحُسن الخُلق والمعاملة الحسنة مع الناس، فإنها تجلب الوزر لا الأجر.
وليس من العبادة كذلك أن نتكبر بصلاتنا وصيامنا، وليس منها أن نُقابل الأزمات التي نعيشها بالانسحاب من المجتمع. وليس من الفقه في شيء أن يُنفق الغني أمواله في الحج والعمرة كل عام، ويترك المجتمع غارقًا في أزماته.
وليس من الرشادة أن يُبعثر أحدهم عشرات الملايين من الجنيهات ليصبح نائبًا للشعب تحت قبة البرلمان، ويقول لك بثقة وثبات: "جئتُ لخدمة الناس"! أولم يكن ممكنًا خدمة هؤلاء الناس بإنفاق هذه الملايين أو بعضها مباشرةً على تقديم الخدمات لهم! بسداد دين لغارمة، أو دفع تكلفة علاج لمسكين، أو سداد مصروفات تعليم ليتيم، أو رفع المعاناة عن أرملة. وهل نُنفق هذا الكم الهائل من المال لخدمة الناس تحت القبة المباركة، مانحة الحصانة؟ أتُراها لخدمة أهل الدائرة! أم ثمنًا لهذه الحصانة؟! ما أعرفه أن مَن يسعى لخدمة الناس ينفق جهده في الأساس لا ماله أولًا، فالمال أولى به الفقراء لا لافتات الدعاية.
العبادة الصادقة، المتعدية لحدود النفس، وحُسن الاستعانة بالله، يُنجيان صاحبهما في جميع الخطوب. إبراهيم في النار استعان بربه، وإسماعيل تحت السكين استعان بربه، ونوح في الموج كالجبال استعان بربه، ويوسف في الجُب والسجن استعان بربه، وموسى في البحر استعان بربه، ومحمد في الغار استعان بربه، صلوات الله وتسليماته عليهم جميعًا.
جاء في في كتب الأدب والوعظ: أن ناسكًا ورعًا خرج مرةً في تجارته، فلقيه لص مُقَنَّع بالسلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك، والمال لي، وقبله دمك! قال: ذرني أُصلي أربع ركعات، قال: صلِ ما شئتَ. فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، وكان من دعائه في آخر سجدة، أنه قال: "يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالًا لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يُرام، وملكك الذي لا يُضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني"، ودعا بها ثلاث مرات. فإذا بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه. فلما أبصر به اللص، أقبل نحوه، فطعنه الفارس فقتله. ثم أقبل، فقال: قُمْ، قال: مَن أنتَ بأبي أنت وأمي، فقد أغاثني الله تعالى بكَ اليوم، قال: أنا مَلَك من أهل السماء الرابعة، دعوتَ الله بدعائك الأول، فسمعتُ لأبواب السماء قَعْقَعَة، ثم دعوتَ بدعائك الثاني، فسمعتُ لأهل السماء ضجيجًا، ثم دعوتَ بدعائك الثالث، فقيل: دعاء مكروب، فسألتُ الله عز وجل أن يُوَلِّيَنِي قتله، فأذِن لي.
كان مضطرًا فدعا ربه فاستجاب: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}. سبحانه وحده القادر على ذلك، ولذلك: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.