فيلم «الجولة 13».. صراع السرطان في ذاكرة ملاكم صغير

19-11-2025 | 16:00
فيلم ;الجولة ; صراع السرطان في ذاكرة ملاكم صغير فيلم الجولة 13
سارة نعمة الله تصوير: محمود مدح النبي

قريبة هي.. تلك الأفلام التي تجعلنا نعيد قراءة ذاكرتنا المتهالكة وسط كثير من الآلام المخزنة رغم قسوة مشاهدها التي نتعافى منها بمحاولة إرساء قاعدة «الفقدان المؤقت للذاكرة». 

موضوعات مقترحة

يعود المخرج التونسي محمد علي النهدي بفيلمه «الجولة 13» للمشاركة مجددا بمهرجان القاهرة السينمائي بعد غيابه ست سنوات منذ مشاركته بفيلمه الأول «فاطوم» الذي عرض عام 2019 ضمن فعاليات المهرجان، يرسم النهدي بمشروعه الجديد حالة خاصة محملة بفيض من المشاعر المدفونة ليس فقط داخل دوافع شخصيات فيلمه ولكن أيضا لدى كثير من المشاهدين الذين حضروا العرض العربي الأول للفيلم على هامش فعاليات الدورة الـ 46 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، فمنهم من تعالت أصوات بكاؤه في القاعة، وآخرون منهم قدموا عبارات ثناء للمخرج محمد علي النهدي لقدرته الخاصة على نسج تفاصيل معاناة رحلة مريض السرطان خصوصا مع معايشة البعض منهم لحظات مماثلة مع عائلتهم. 


«صبري» الطفل الحالم الذي تعانقه أحلام الفوز في جوالات لعبة الملاكمة التي ورث عشقها من والده الملاكم المتقاعد الذي زرع بداخله حب كبير للعلبة الشهيرة،  تضعه الحياة في أصعب اختبارات جسده النحيل لتعصف بطموحاته وتجبره على الهزيمة في أحلامه التي لطالما كان ينتصر فيها في البداية. 

يصارع «صبري» الذي يجسد دوره الطفل التونسي هادي بن جابوريا البالغ من العمر ١٢ عاما، مرض السرطان الذي يفاجئه دون سابق إنذار،  وهنا نسج المخرج محمد علي النهدي خطان دراميان شديدا الذكاء والألق، الأول يتمثل في اختيار «لعبة الملاكمة» لتكون هي الرمز للصراع الذي يعيشه «صبري» مع المرض،  في كادرات تظهره يضرب بلكمات  قوية بيديه داخل حلبة الصراع تظهر دائما في أحلامه. 

أما الخط الثاني الذي رسمه المخرج محمد علي النهدي ويتماهى مع الأول يتمثل في صراع وهزيمة الأب هو الآخر.. الملاكم المتقاعد الحائز على العديد من الجوائز، يقف هو الآخر عاجزا أمام طفله الذي لطالما كان يزرع بداخله روح المقاتلة والفوز. 


ليس الفوز حليف لنا دائما 

تجبرنا اختبارات الحياة على تقبل الهزيمة مهما حققنا بها من إنجازات وانتصارات، وهو ما حمله مخرج فيلم «الجولة 13» في رسائله المفعمة بتناقضات الرحلة وكادراته الأكثر عمقا والتي بدت في البعض منها كأنها لوحات تجسد الواقع وترسم الحلم بالأمل في التمسك بالحياة، يتمثل ذلك في تكرار مشاهد الفجر  في انعكاس ودلالة  على منزل «صبري» الذي يتمسك والديه ببقاؤه في الحياة مع شروق كل يوم جديد. 


الجولة 13

قديما كانت جوالات الملاكمة تتكون من 15 جولة لكنها حديثا أصبحت 12 فقط،  أما رقم 13 الذي اختاره هنا مخرج الفيلم، فهو رمز لرقم يستخدم كتعبيرا مجازيا في جولات الملاكمة يشير لمقاومة الشخص فوق قدر طاقته «على آخر نفس» في إسقاط على قصة الطفل «صبري» الذي يصارع المرض حتى وفاته، ويتجسد ذلك بمعادلا بصريا يظهر في مشهد حالم ل «صبري» يظهر فيه وجهه ملطخ بالدماء ويتلقى الضربات يمينا ويسارا. 

بالتأكيد أن فيلم «الجولة 13» لم يكن الأول في الأعمال التي ترصد رحلة معاناة طفل مريض بالسرطان،  لكنه الأكثر عمقا والأصدق تعبيرا في أداء أبطاله الذين ابتعدوا عن انفعالات مستهلكة، واعتمدوا على انفعالاتهم الداخلية بما يعرف في فن الأداء ب "الذاكرة الانفعالية" وهو أحد أهم مقومات منهج «ستانسلافسكي» الشهير في فنون الأداء التمثيلي الذي يعتمد على استرجاع لحظات خاصة في ذاكرة الممثل سبق وعاشها هو بنفسه أو مع أحد المقربين إليه في أحداث مماثلة مما يجعله يستحضر أداء صادقا يخرج من دوافعه الداخلية ولعل هذا أصعب أنواع التجسيد الدرامي. 

حلمي الدريدي وعفاف بن محمود 

وهنا نتوقف أمام ثلاثة مشاهد شديدة التميز في فيلم «الجولة 13»، ربما تجاوز فيها بطلي العمل حلمي الدريدي وعفاف بن محمود ما نتحدث عنه من فنون الأداء التمثيلي، مزجا فيه بين أكثر من مدرسة أداء، يتجلى أعمقها في تلك التي يعرف فيها الزوجين بحقيقة مرض ابنهما من الطبيب، وينجح المخرج محمد علي النهدي في تقديم كادر استثنائي يظهر فيه البطلين من ظهرهما وتظهر الرجفة على رجل الأب المهتزة والصمت على جسد الأم التي ما أن تدرك الصدمة الإ وتنهال بالضربات على كتف زوجها بعد أن تنتقل الكاميرا لتعكس التأزم والحسرة على وجههما. 

وفي مشهدين آخرين،  يظهر الأب الذي قدم دوره بألق وتقمص لروح وهويته الأب البطل المنكسر،  الفنان  حلمي الدريدي يقف فيه في الممر أمام حجرة نجله الصغير يحاول استقدام شجاعته التي يتبعها بكادر آخر يقوم بحلاقة شعر طفله الصغير ويظهره هو أيضا حليق الرأس. 

وفي مشهد يرسم أوجاع الأم المكلومة، تجسد النجمة المخضرمة عفاف بن محمود لحظات الانكسار التي تجلس فيها محتضنة نجلها الصغير الذي يصارع الموت بعد أن أعلنت استسلامها لقضاء ربها في محاولة لاقتناص لحظات أخيرة في رحلة صغيرها،  والحقيقة أنه منذ فترة طويلة لم نرى كمشاهدون مصرييون،  نجمة عربية محملة بهذه المشاعر الاستثنائية التي نقلتها على الشاشة بسلاسة لتخترق قلب من يشاهدها ويتفاعل معها بصدق. 

هادي بن جابوريا 

لا أعرف كم كان الحظ حليفا رائعا للمخرج محمد علي النهدي، ليقع أمام بصره الطفل التونسي هادي بن جابوريا الذي عزف بأوتار الحزن على قلوب كل من شاهد أولى أعماله على الشاشة الفضية، وكأنه بطلا مخضرما أعتاد الوقوف والتصوير أمام عدسات كاميرات السينما. 

في فيلم «الجولة 13» يقدم هادي بن جابوريا مزيجا بين أداء التقمص والذاكرة الانفعالية،  وبالرغم أن من يقاربونه سنا في الظهور على الشاشة يكون شاغلهم الأكبر «كيف ستبدو هيئتهم على الشاشة؟» وأقصد في ذلك الملامح الشكلية،  لكن بن جابوريا لم يكترث بذلك حتى وإن كان ذلك أول ظهور له على الشاشة،  فلم يبخل على «صبري» كما هو اسمه بالفيلم في منحه شعر رأسه ويظهر حليقا دون الاستعانة بماسك مصنع ربما أفقده إحساسه بالشخصية. 

ويزداد وهج الأداء الصادق ل بن جابوريا،  فيخرج علينا مفعوما بأداء حركي في تعبيرات وجهه وهو ينظر بعينيه من غرفته بالمستشفى لمجموعة من الأطفال يلعبون كرة القدم،  في لحظة تجسد الضعف والانكسار والحسرة. 

وفي كادرات آخرى يعيش بن جابوريا صراع الآلم.. يجسد لحظات الاحتضار الأخيرة في رحلة مريض سرطان من الدرجة الرابعة توشك حياته على النفاذ.. فكم من نداءات مفعمة بآهات الآلم وهو يقول «اه ياماي» تلك اللحظات التي أبكت الحضور بأصوات مرتفعة في قاعة العرض لدقائق متواصلة من كثرة صدق وإحساس هادي بن جابوريا الذي يؤكد على ميلاد ممثل عربي مهم ستكون أعماله القادمة مرتقبة من جمهوره دائما. 

يعد فيلم «الجولة 13» أحد أهم وأبرز اختيارات برنامج مسابقة آفاق السينما العربية التي يتولى إدارتها الناقد محمد نبيل، وتعكس مدى اهتمام إدارة مهرجان القاهرة السينمائي باختيارات القضايا التي تحمل هموما إنسانية صادقة.


المخرج محمد علي النهديالمخرج محمد علي النهدي

النجمة التونسية عفاف بن محمودالنجمة التونسية عفاف بن محمود

بطل الفيلم.. الطفل هادي بن جابوريابطل الفيلم.. الطفل هادي بن جابوريا
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: