سر الوجود وما حوى!

19-11-2025 | 16:22

في البداية، ضرورة مُلِحَّةٌ أن نُنَوِّه إلى أمرٍ جدُّ مهم، ألا وهو أن تعاملنا مع هذه الجدلية سوف يخرج عن أُطُرها التقليدية التي تتمثل في الإجابات الكلاسيكية التي من الممكن أن يجيب عنها الإنسان البسيط محدود الثقافة، أو مَن تلقَّى تلقيًا عن خُطباء المساجد وحُكماء المواعظ في الكنائس والأديرة.

مِن أنَّ هذا الوجود، السر الأعظم في وجوده هو الله المتعالي المتفرد في عبوديته، المتوحد في ربوبيته، الذي لا يقبل الشريك في توحيده، المُنَزَّه عن كل صفات المُحْدَثَات المخلوقات، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحدًا، أي مكافئًا له في جبروته وقوته وسلطانه.

وهذا ما يعلمه الجميع، ومَن يُكابر أو يُعاند فليذهب بكبره وعناده إلى حيث يشاء، إلى بقرة أو شجرة أو صنم أو حجر، أو ما شابه ذلك مِن هذه المُسَمَّيَات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وهذا معلوم لكل ذي بصر وبصيرة، إلا مَن زاغ بصره عن رؤية الحقيقة الكونية الغالبة والمهيمنة على هذا الكون، وسر بقائه على هذه الترسيمة واللوحة الإبداعية من الهندسة والإتقان والتناغم بين مُفرداته، والتوائمية والانضباطية بين كل مفردة من مفرداته. فالجميع يعمل وفق ناموس إلهي لا يَحيد ولا يَميد عما قُدِّرَ له وعما وُكِّلَ به، فـ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، والكل يدور في فلك واحد بيُسر وسهولة في حركات ميكانيكية تعجز جميع عقول أهل العلم عن التوصل إلى كُنه هذا الانضباط، مما يجعل أهل البصائر يُسَلِّمُون تسليمًا بوجود المهيمن الذي أحسن كل شيء خلقه، وقدر كل شيء تقديرًا.

أما أصحاب الطبيعة الفاعلة والطبيعة المنفعلة، وأنصار العِلية والسببية، وأنصار الحركة والمتحركات والعلل بأنواعها، سواء العلل المادية أو الصورية أو الفاعلة أو الغائية.

أو أنصار الواحدية المادية التي نشأ عنها الكون، وأن أصل نشأته عنصر واحد، سواء كان ماءً أو هواءً أو نارًا أو ترابًا، أو مَن ارتد بنشأته إلى هذه العناصر مجتمعة، وأنه لا توجد في الكون إلا المادة، وأن هذه المادة حية. أو أن الكون نشأ عن الذرات التي تسبح في الفضاء، فتتلاقى مع بعضها عن طريق حركاتها بفعل المحبة، فينشأ الكون، وعن افتراقها بفعل الكراهية ينتهي الكون.

أو مَن قال في العصر الحديث إن المادة صلبة، وضرورة مُلِحَّةٌ أن تخضع لخطوات البحث العلمي وتطبيق مناهجه عليها، وأهمها المنهج التجريبي، للوقوف على حقيقة هذه المادة التي نشأ عنها هذا الوجود.

أو مَن آمَن بالنظرية الذرية وقال إن نشأة هذا الوجود ترتد إلى الذرات، لكنه رفض فكرة الذرات الميتة الجامدة، وإنما قال بالذرات الحية، فلا يوجد في الكون إلا ذرات وخلاء وحركة.

إلا أن هناك مَن قال بوجود المادة فعلًا، لكن تقف إلى جانبها الصورة. وهناك مَن قال إن أصل النشأة يرتد إلى العالم المثالي، مثال المُثُل الذي آثاره تنعكس على كل ما في هذا الوجود، فنستشعر بتجلياته في الترسيمة الكونية والصورة الجمالية، فنرى الحق والخير والجمال في كل تفصيلة من تفصيلاته. فيتغنى أهل الحق بالحق والعدل، ويُنشد أهل الجمال الجمال على صفحاته، فيستقرئها الشعراء والأدباء والفنانون. أما الخير فيتمثل في الفضائل وكيفية اقتنائها ومعرفة الرذائل لاجتنابها.

إلا أن هناك مَن يرى هذا الوجود ليس وجودًا ماديًا، وإنما الذي يسيطر عليه ويُسَيِّره ويضبط نظامه العقل الكلي أو النُّوس، أو المُطلق أو الترانسيتندال المتعالي، أو القوة الفعالة التي تسري في الجسم الكوني، فتحوله مِن موجودات بالقوة إلى موجودات بالفعل من خلال قوة فعالة تسري بداخله، تُسمى بالموناد الأعظم الذي يحوي جميع المونادات الجزئية المتكفلة بإدارة هذا الوجود، لكنها في النهاية تجتمع في سيمفونية إبداعية يقودها قائد أوركسترا بارع هو الموناد الأعظم.

نعم، إنها أفكار جديرة بالدراسة والتحليل والمقارنة والنقد، وهذا بدوره يقودنا إلى أن نُبرز وجهة نظرنا بكثير من التحليل والمقارنة حتى نُكَوِّن توجهنا النقدي الذي سنقف من خلاله على حقيقة هذا الوجود، أو على أقل تقدير نحاول أن نتعرف على إبداعاته التي تتضح أمامنا كل يوم. فالكون لا يسير على وتيرة واحدة، وإنما في حالات صيرورة مستمرة لا يثبت على حال واحد، وهذه الحركية في حد ذاتها سر من أسرار بقائه.

هل الوجود هو العالم؟ هل العالم جزء من الوجود؟ ما الفرق بين الوجود والميتافيزيقا؟ هل الميتافيزيقا واقع نعيشه أم عالم مجرد لا نعلم عن كُنهه شيئًا؟ وهل العالم الآخر مَحلٌّ للدراسة والتفكير أم حقيقة نُسَلِّم بها تسليمًا؟

الوجود ليس هو العالم، بل الوجود يحوي العالم في باطنه، بمعنى أن العالم جزء من الوجود. فالوجود به ما نعلمه وبه ما لا نعلمه، أي لا يخضع للدراسة النظرية والتطبيق العملي، وهو ما يُسمى بالعالم المجرد. أما العالم أو ما يُسمى عالم ما تحت فلك القمر، العالم الطبيعي، فهو مَحلٌّ للدراسة بنوعيها النظري والعملي، وما أحوجنا إلى الغوص في باطنه لاكتشاف مجاهله لعدة أسباب رئيسة:

أولًا، تحقيق النفع المادي لتنتظم مِن خلاله حياتنا.

ثانيًا، لتحقيق هدف أسمى ألا وهو التعرف مِن خلال مدارسته على العلة الأساسية التي تسببت في وجوده بهذا الشكل المُنْتَظم والمُطَّرِد في آن واحد.

ثالثًا، إشباع الجانب المعرفي والعلمي على حد سواء، سواء لِمَن يريد أن يعرف على العموم أو مَن يريد أن يتعلم على وجه الخصوص.

رابعًا، إزالة اللبس والغموض الذي تسببت فيه بعض الفلسفات المادية والمثالية عن جمهور المتلقين، والتي فتحت الباب على مصراعيه للشك في حقيقة هذا الوجود، ومَن أوجده، وما مآله ومصيره.

أما رأينا الخاص في هذه الجدلية فيمكن تلخيصه فيما يلي:

أولًا، التسليم المطلق بوجود قوة عليا تهيمن على هذا الكون، هي قوة الإله المتعال.

ثانيًا، أن هذه القوة تفعل من تلقاء نفسها، لا تأخذ أوامرها مِن أحد، وإنما تفعل من مُنطلق أمر الكاف والنون.

ثالثًا، أن هذه القوة الإلهية وهبتنا عقلًا مُتَدَبِّرًا لنتدبر به مِن خلال الاعتبار والاستبصار أن هذه القوة هي التي تُسَبِّبُ الأسباب ولا تَعْنِيها الأسباب. فهناك أمور من خوارق المألوفات تُفارق الأسباب، فتعجز عن معرفتها، وحينها ستُسَلِّم العقول وتُقِرُّ بعجزها، ووقتها تسعى بهويتها وتُسَبِّح بحمد خالقها وتسجد له سجود شكر طويل.

فالعجز عن الإدراك إدراك، والخوض في الذات إشراك.

* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة