آن للوطن المتعب أن يستريح، لعله التعبير الأنسب لكل خطوة واثقة في اتجاه الالتئام والاستقرار تخطوها بلاد الرافدين. وكم من خُطى شاقة مشاها العراق، هذا البلد العريق الذي يتجاوز مِحَنه بصبر وحنكة ودُربة بلد حضاري له ثقله، وسط مشهد سياسي مُعقَّد في الشرق الأوسط، وبعد تاريخ من التحولات والصراعات. فبينما كانت أغلب التقديرات والقراءات تشير إلى سيناريو فشل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إذا بالسباق الانتخابي والاستحقاق الدستوري ينجح نجاحًا مشمولًا بالهدوء النسبي والانضباط.
وبنظرة في النتائج التي أعلنتها مفوضية الانتخابات العراقية، التي أكدت أن الانتخابات تمت وفق المعايير الدولية، وحققت نسبة مشاركة بلغت 57.11%، وتصدر ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة محمد شياع السوداني رئيس الوزراء، مع النظر إلى سير العملية الانتخابية مسبوقة بظروف استثنائية، منها اقتصاد يتعافى من الفساد والبطالة، ومنها تحديات أمنية متقطعة، وكذلك الشعور العام بانعدام الثقة بين المواطن والنخبة السياسية، الأمر الذي حدا بمراقبين في الداخل والخارج، إلى تصور سيناريوهات المقاطعة الواسعة، أو الفوضى السياسية التي من شأنها إفراغ العملية الانتخابية ـ الضرورية جدًا في هذا التوقيت ـ من معناها، وخصوصًا مع دعوة مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري لمقاطعة الانتخابات، وامتدت دعوته لتشمل منع تعليق اللافتات الانتخابية للمرشحين بمدينة الصدر شرقي بغداد.
لكن تأتي الصورة في أزهى حُلَّة ويبدو المشهد على خلاف جميع التوقعات، وتمنح النتائج العراقيين فرصة جديدة لإعادة التفكير وتأكيده في قدرة الدولة على الثبات وتنظيم شئونها رغم أي تحديات قائمة أو مُحتَمَلة، وليثبت الشعب العراقي التزامه بالحرية وتَوقُه إليها، وانحيازه إلى قيمة سيادة القانون وبناء دولة مؤسسات قوية وفاعلة.
كما أن العملية الانتخابية هنا وفي ظل الظروف العراقية المتشابكة والمعقدة، تتجاوز فكرة السباق السياسي المجرد، إلى قيمة اختبار قدرات الدولة العراقية على الالتزام بمسارات الدولة الحديثة التي تعلو فوق الفوضى، وكذا اختبار قدرات الوعي لدى شعب لا يرغب في الانسحاب من العملية السياسية؛ لأنه متعطش لصورة واقعية لدولته التي يكون جزءًا أصيلاً من تكوينها وتأثيرها، وتكون هي نموذجًا لائقًا بحضارتها وتاريخها، ولائقًا في المقام الأول بتطلعات هذا الشعب لوطنه.
كما يدل إجراء الانتخابات في موعدها المحدد سلفًا وبهذه الصورة المشرفة، تحقُّق عوامل أسهمت وأثرت في ذلك، فكانت نتاج تطوير الأداء، وتدريب جميع العاملين في العملية الانتخابية وفي جميع المؤسسات، وتطور الإجراءات التقنية. وعلى الرغم من السلوك الصحي بوجود شكاوى أو طعون، كان حجم الخروقات لا يُذكَر قياسًا إلى ما اعتاده العراقيون في حِقَب مضت، وهو مؤشر جديد وثِقَل له تأثيره المنتظر في تأكيد ثقة الشعب بحكومته.
لا شك إذًا، أن الانتخابات البرلمانية العراقية استطاعت أن تكسر توقعات الفشل، وأثبتت أن العراق لم يَزَل قادرًا على اختيار طريقه الأمضى والأقل كلفة، حتى إن امتلأ بمنعطفات. ويظل السؤال الذي يجب أن يطرحه الجميع بشجاعة: هل تتجه القوى السياسية والشعبية بإخلاص إلى استثمار هذا النجاح، وتأكيد التعاضد في استكمال مسارات بناء الدولة؟ أم أن هذه القوى ستسعى إلى إعادة تدوير الأزمات؟
هذا المشهد الذي نرى وما سبقه من عمل متواصل على الملفات كافة بالتوازي والقوة والخبرة ينم عن قراءة إيجابية تتسع رقعتها للجميع، وكما تأكد في حديث "السوداني"، زعيم تيار الإعمار والتنمية الذي أكد أن مراعاة المصلحة لا بد أن تشمل الجميع بمن فيهم الذين قاطعوا الانتخابات، والدعوة إلى وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وأن ائتلاف الإعمار والتنمية منفتحٌ على جميع القوى السياسية، مع توضيح الهدف الأسمى في بناء تفاهمات رصينة تحترم الدستور، وصولاً إلى الشعار الكبير العراق أولاً. لتكون هذه الانتخابات تتويجًا بالغ الأهمية للمكتسبات التي حققها العراق في وقت قياسي يسابق فيه الزمن ليكون دولة مؤسسات قوية وفاعلة.