لم يكن اختيار عنوان "دليلك نجم سهيل" مجرد قرار جمالي أو استعارة شعرية لافتتاح نسخة جديدة من "منار أبوظبي".
موضوعات مقترحة
منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماك أحد مواقع المعرض، تدرك أن العنوان وحده يعمل كـ بوصلة روحية تعيدك إلى علاقة البشر الأولى بالضوء، وإلى ذلك الزمن الذي لم تكن فيه السماء رفاهية بصرية، بل وسيلة نجاة.
فحين اختارت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي هذا العنوان للدورة الثانية من المعرض، كانت تُعيد صياغة رابط قديم يجمع أهل الخليج بالسماء. نجم سهيل، المعروف بقدرته على تغيير المواسم وتوجيه الرحلات، يعود في هذا المعرض ليكون مرشدًا بصريًا يقود الزائر خلال تجربة متشابكة من الضوء، الفن، والذاكرة.
الضوء.. المعرفة الأولى التي تقود الإنسان
وأنا أقف في إحدى نقاط المشاهدة، كان المشهد يبدو كأنه محاولة هادئة لاستعادة تلك اللحظة التي رفع فيها الأجداد رؤوسهم إلى السماء بحثًا عن دليل. اليوم، في "منار أبوظبي"، لا نرفع رؤوسنا لنسأل: أين الطريق؟، بل نرفعها لنسأل: كيف يرشدنا الضوء إلى معنى جديد؟
عنوان "دليلك نجم سهيل" لا يقدّم إجابة، بل يفتح سلسلة من الأسئلة الجمالية:
هل يمكن للفن أن يُصبح بوصلة؟
هل نستطيع أن نقرأ الضوء بالطريقة نفسها التي قرأ بها أهل المنطقة حركة الفصول واتجاه الرياح؟
هذه الأسئلة تبدو واضحة في كل عمل فني، كأن العنوان ليس فكرة فوقية بل خيط غير مرئي يربط الأعمال ببعضها البعض.
من الإرشاد الفلكي إلى الإرشاد البصري
يتعامل الفنانون المشاركون مع العنوان باعتباره نقطة انطلاق لا يمكن تجاهلها.
فالمدير الفني كاي هوري، ومعه القيمون: علياء زعل لوتاه، منيرة الصايغ، ومريم الشحي، لم يقدّموا العنوان بوصفه شعارًا، بل كمفهوم يحرك طبيعة الأعمال نفسها.
هنا تتحول الظلال إلى خرائط، والانكسارات الضوئية إلى مسارات، وانعكاسات الماء إلى علامات تذكّر بسفر طويل عبر البحر والصحراء.
وهكذا يصبح "سهيل" في هذا السياق رمزًا، ليس للنجم نفسه، بل لفكرة الاهتداء.. أي قدرة الضوء على أن يكشف، ويُطمئن، ويهدي إلى المعنى.
الفن كعلامة على الطريق
في مواقع المعرض المختلفة—من جزيرة الجبيل إلى واحات العين—تتكرّر الإشارة إلى فكرة الطريق، لا بوصفها طريقًا ماديًا، بل طريقًا داخليًا.
تجد أعمالًا تُحاكي مسارات النجوم، وأخرى تستعيد العلاقة بين الضوء والوقت، وثالثة تُصوّر حركة الطبيعة كأنها ساعة كونية تعمل بلا توقف.
وبينما يتنقل الزائر بين هذه الأعمال، يشعر كأنه يتحرك في خريطة سماوية مرسومة على الأرض.
لماذا "سهيل" اليوم؟
الضوء في هذا المعرض لا يأتي فقط ليضيء المكان… بل ليضيء علاقة الإنسان بالمكان.
وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتزداد فيه الإضاءة الاصطناعية حولنا، يعيد "منار أبوظبي" تعريف الضوء باعتباره لغة قديمة تستحق أن تُستعاد.
اختيار نجم سهيل تحديدًا هو استعادة لذاكرة مشتركة بين سكان الخليج:
ذاكرة السفر، التغيرات المناخية، انتظار الفصول، والبحث عن الدليل في ليلة معتمة.
حين تغادر أحد مواقع "منار أبوظبي"، تفهم أن العنوان لم يكن مجرد إطار لفظي للدورة.
"دليلك نجم سهيل" هو طريقة لرؤية الفن، وطريقة لقراءة الضوء، وطريقة لإعادة وصل الإنسان بجذوره الأولى.
في النهاية، وفي هذا المعرض، لن تتبع الضوء فقط، بل ستفهمه.
منار أبوظبي 2025
منار أبوظبي 2025