18-11-2025 | 13:40

في بيليم البرازيلية، حيث تلتقي الأنهار بغابات الأمازون المطيرة التي تغذي خمس أكسجين العالم، ينعقد مؤتمر الأطراف الثلاثون في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP30)، حاملًا مهمة مصيرية: تحويل الوعود المناخية إلى التزامات قابلة للتنفيذ، والانتقال من الكلام إلى الفعل. هذه المرة يلتقي العالم في قلب أكبر غابة استوائية بالمعمورة، رمز الحياة، ومختبر التوازن البيئي أو كما يُطلق عليها "رئة الأرض".

من التخطيط إلى التنفيذ

يأتي المؤتمر وسط قناعة بأن زمن التسويف انتهى، وأن العالم لم يعد يحتمل تأجيل خفض الانبعاثات. فالعمل المناخي اليوم مسألة حياة لا معادلات، وكل قرار يُتخذ سيرسم ملامح العقود المقبلة. ورغم امتلاء الأجندة بالملفات، يبقى جوهر القمة رسم مسار واضح للابتعاد عن إزالة الغابات والوقود الأحفوري، باعتبارهما أكبر محرّكي اختلال المناخ. وبعد ثلاثة عقود من المفاوضات، لا يزال التقدّم محدودًا فيما تتسارع الكوارث بدرجات غير مسبوقة.

قضايا شائكة… ولا بديل عنها

يحمل المؤتمر إرثًا من الملفات الصعبة التي رافقت النسخ السابقة، لكنها اليوم أكثر إلحاحًا. فهناك أولًا مطلب زيادة التمويل الموجّه للدول الأكثر هشاشة، تلك التي تدفع الثمن الأكبر رغم أنها الأقل إسهامًا في الانبعاثات. وثانيًا ملف التخلي التدريجي والعادل عن الوقود الأحفوري، وهو محور تتقاطع فيه مصالح اقتصادية وسياسية عميقة، لكنه يبقى خطوة لا غنى عنها لتفادي الاحتباس الحراري. أما ثالثها فهو سد الفجوة بين التعهدات المعلنة وخطط التنفيذ، وهي الفجوة التي تهدد بإجهاض إنجازات سنوات طويلة من العمل المناخي. ورغم الانتقادات المتكررة لطول القمم المناخية، إلا أنها تبقى الآلية الدولية الوحيدة القادرة على دفع الحكومات نحو المساءلة المشتركة.

دروس الماضي: إنجازات بطيئة لكنها مؤثرة

تُظهر مسيرة مؤتمرات الأطراف أن التغيير ممكن حين يتزايد الضغط الشعبي والدبلوماسي. إذ أسَّس مؤتمر باريس 2015 لـحد الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، وأطلق أساس أهم اتفاق بيئي في العصر الحديث. وفي شرم الشيخ 2022 تحقق اختراق مهم بإقرار صندوق الخسائر والأضرار. ثم جاء مؤتمر دبي 2023 ليعترف لأول مرة بالدور المركزي للوقود الأحفوري في تفاقم الأزمة، فاتحًا نقاشًا أكثر واقعية حول التخلي عنه. أما مؤتمر باكو 2024 فسلَّط الضوء على فجوة التمويل المناخي، رغم أن التعهدات بقيت أقل من المستوى المطلوب. هذه الخطوات لم تكن هدايا، بل ثمرة ضغط مستمر من الشعوب والنشطاء والدول الصغيرة التي تقف في الصفوف الأمامية للجائحة المناخية.

الواقع الصادم: العالم على مسار 3.1 درجة

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن التعهدات الحالية تقود البشرية نحو ارتفاع كارثي يصل إلى 3.1 درجة مئوية بنهاية القرن، أي ضعف الحد الآمن تقريبًا. وتجنب هذا السيناريو يتطلب خفض الانبعاثات بنسبة 43% بحلول 2030 مقارنة بعام 2019، وتسريع الجهود قبل 2035.

صوت الشعوب… وصوت الأرض

رغم ما يواجهه النظام التفاوضي من انتقادات، يبقى حضور الشباب والمجتمع المدني والشعوب الأصلية عنصرًا حاسمًا في مقاومة جماعات الضغط الصناعية، وفي دفع الحكومات إلى التفاوض بقدر أكبر من الجدية. وتكتسب قمة هذا العام أهمية إضافية مع صعود دور الدول النامية، بقيادة الصين، وتراجع قدرة القوى الكبرى على الالتزام بتعهداتها وسط أزمات الطاقة والجغرافيا السياسية.

أثمان الكارثة: اقتصاد يتآكل

تتزايد التكلفة الاقتصادية للتغير المناخي بشكل ينذر بالخطر. إذ قد يخسر الاقتصاد العالمي ما يقارب خمس ناتجه بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، بينما تتحمل الدول النامية خسائر سنوية تصل إلى 580 مليار دولار بحلول 2030. وتتجاوز التداعيات الأرقام لتطال البنية التحتية والزراعة وسلاسل الإمداد، ما يعمِّق أزمات الغذاء والطاقة. وفي المناطق الهشة، يمكن لموجة جفاف واحدة في إفريقيا جنوب الصحراء أن تفقد نحو 900 ألف وظيفة في عام واحد.

رسالة أخيرة.. وقرار العالم

لا ينعقد المؤتمر هذه المرة في مدينة محايدة، بل في غابة تنبض برسالة أخيرة: إمَّا أن نحمي الكوكب، أو نخسره. فالأمازون تذكير حي بأنَّ المعركة لم تعد نظرية. ومهمة COP30 ليست إصدار بيانات جديدة، بل إرساء لحظة عالمية صادقة تُلزم الدول بخفض الانبعاثات، حماية الغابات، وتمويل الانتقال العادل إلى الطاقة النظيفة… قبل أن يصبح الحديث عن الإنقاذ مجرد ذكرى متأخرة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة