مع أول نسمات برد الشتاء، يهدأ ضجيج أجهزة التكييف وتتوقف المراوح عن الدوران، ويحدث شيء خفي في داخل الإنسان؛ كما تتغير ملامح الطبيعة، كأن الجسد والعقل يستجيبان لدعوة الطبيعة إلى التكيف والهدوء.
هذا التغير ليس مجرد حالة مزاجية، بل؛ كما يصفه العلماء، تفاعل كيميائي دقيق يحدث داخل الدماغ حين تتقلص ساعات النهار ويزداد الليل طولًا.
فالضوء الطبيعي في ميزان العلم، هو الذي يحفز إفراز السيروتونين، الهرمون المسئول عن اتزان المزاج، فهو بمثابة "هرمون السعادة"، ومع قلة التعرض للشمس يزداد إفراز الميلاتونين الهرمون المنظم للنوم، فيميل الجسد إلى الخمول ومع اشتداد البرد تتراجع رغبة الاستيقاظ في الصباح الباكر.
ووفقًا لما تقوله الدراسات العلمية، فإن نشاط الفص الجبهي للدماغ، المسئول عن القرارات والمشاعر الإيجابية يتراجع في الشتاء، بينما تنشط مناطق التأمل والتفكير.
ومن رحم هذا التغيير يولد ما يعرف بـ "الاكتئاب الشتوي" أو "الاضطراب العاطفي الموسمي"، الذي يصيب ملايين البشر، خصوصًا في المناطق كثيفة الضباب.
تظهر أعراضه في صورة تقلبات مزاجية ورغبة في النوم والأكل، وهي ليست ضعفًا نفسيًا، بل انعكاسٌ لاختلال التوازن بين هرموني السيروتونين والميلاتونين.
ولعلاج هذا الاختلال، طوَّر العلماء ما يُسمى بـ "العلاج بالضوء"، حيث يتعرض الناس لمصابيح تحاكي أشعة الشمس لاستعادة توازن الدماغ، مثلما يتم وضع الأطفال حديثي الولادة تحت الضوء لعلاج الصفراء..
ففي بلدان شمال أوروبا تحول العلاج بالضوء إلى طقس اجتماعي، إذ يجتمع الناس في غرف عامة مزودة بمصابيح علاجية، وكأن الضوء أصبح "سلعة عاطفية" تُنعش الروح بقدر ما تُنير الجسد.
لكن هذا لا يعني أن الشتاء هو فصل الجمود، بل فرصة لإعادة الشحن الذهني. فوفق ما ذكرته أبحاث في جامعة كامبريدج فإن الدماغ في هذا الفصل يبطئ المناطق المسئولة عن الانفعال ويُنشط مراكز التخطيط والتفكير، فيعيش الإنسان حالة من "السُبات المُنظَّم" يعيد فيها ترتيب ذاته وأولوياته.
ومن هنا جاء حب الفلاسفة والكُتاب للشتاء، إذ يمنحهم صفاءً داخليًا وقدرةً على التفكير والكتابة بعيدًا عن صخب أيام الصيف.
ولا يقتصر التغير على الدماغ، ففي داخل كل إنسان "ساعة بيولوجية" تضبط إيقاع النوم والطاقة. ومع قلة الضوء تتأخر هذه الساعة قليلًا، فيشعر البعض بالخمول أو النعاس في غير أوانه. لكن، وفق ما تقوله الأبحاث، فإن بضع دقائق من التعرض لضوء الصباح كفيلة بإعادة ضبط عقارب هذا الإيقاع الداخلي.
أما ميل الإنسان إلى تناول مزيد من الطعام شتاءً؛ فله تفسير علمي واضح؛ فالجسم في سعيه لحفظ حرارته الداخلية، يفرز هرمونات تُحفز الجوع وتؤدي إلى تخزين الدهون.
حتى أمطار الشتاء تضيف سحرًا آخر؛ فصوتها المنتظم يوصف بـ "الضجيج الوردي"، ربما للتفرقة بينه وبين "الضجيج الأسود" من تلوث وضوضاء، وشتان بينهما، فالأخير يسبب المعاناة والصخب، أما الآخر فيساعد الدماغ على تهدئة النشاط العصبي وتقليل التوتر..
أما سر رائحة الأرض بعد المطر، فلأنها تتكون من مركبات عضوية تنتجها بكتيريا التربة والنباتات، تمنحنا راحة غامرة يصعب تفسيرها، ربما تشبه رائحة الهواء المشبع بالأوزون فجرًا، تلك الرائحة التي توحي بالنقاء وبداية يوم جديد.
والأهم من ذلك كله، أن الشتاء ليس فصلًا للإبداع وصفاء الذهن فحسب، بل فرصة ذهبية لتعزيز العلاقات الأسرية؛ إذ تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن انخفاض درجات الحرارة يُعزز رغبة الناس في التقارب الجسدي والعاطفي، وهو ما يؤدي بطبيعته إلى زيادة إفراز هرمون "الأوكسيتوسين" المرتبط بالثقة والارتباط الإنساني.
لذا فإن تجمع العائلة حول المدفأة أو المائدة في ليالي الشتاء لا يدفئ الجسد فقط، بل يدفئ الروح أيضًا؛ حيث يتحول الشتاء إلى موسم للسمر والمشروبات الدافئة وحكايات الزمن الجميل، وهكذا يبقى الدفء الحقيقي شتاء في القرب الإنساني.