«فتح القسطنطينية».. 800 سنة و11 محاولة لإسقاط إمبراطورية الروم

17-11-2025 | 00:06
;فتح القسطنطينية;  سنة و محاولة لإسقاط إمبراطورية الرومصورة تعبيرية

يعود تاريخ استيطان القسطنطينية إلى القرن 7 قبل الميلاد، وقد تطورت بعد ذلك بسبب موقعها المميز، وأصبحت ميناءً يصل بين قارتي آسيا وأوروبا، وفي سنة 330 بعد الميلاد، أصبحت القسطنطينية عاصمة للإمبراطور قسطنطين، وعُرِفت باسم روما الجديدة، وكانت منطقة غنية بالثروات، كما امتازت بجمال هندستها المعمارية، وقد ظلت إمبراطورية بيزنطية لألف ومائة عام، حتى وقعت تحت سيطرة الإمبراطور العثماني محمد الثاني عام857هـ/ 1453م، وهي حاليا مدينةاسطنبول.

وفيما يلي نرصد أهم  المحاولات التاريخية لفتح مدينة القسطنطينية قبل السلطان العثماني "محمد الفاتح"

إن فتح "القسطنطينية" على يد السلطان "محمد الفاتح" لم يأت من فراغ، وإنما هو نتيجة لجهود تراكمية قام بها المسلمون منذ العصور الأولى للإسـلام رغبة من تلك الأجيال في تحقيق بشارة رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلم تكن محاولة "الفاتح" هي الأولى وإنما سبقتها (11) محاولة في عهد الأمويين ومن بعدهم  العباسيين، ثم زاد الاهتمام بفتحها مع ظهور دولة العثمانيين، حيث تم الفتح وتحقيق بشارة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على يد السلطان العثماني "محمد الفاتح".

ومن أهم هذه المحاولات التي سبقت "الفاتح":

المحاولة الأولى: أرسل "معاوية بن أبي سفيان" رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حملة برية في عام 49 هجرية، اخترقت آسيا الصغرى وافتتحت حصونًا كثيرة في الأناضول حتى وصلت إلى سواحل بحر مرمرة، ثم بعث "معاوية" ابنه "يزيد" مددًا لسفيان بن عوف، وجعله أميرًا شرفيًا على الحملة ومعه نفر من أبناء الصحابة مثل "عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير" والصحابي "أبو أيوب الأنصاري".

وقد اشتبك المسلمون مع الروم في القتال واستشهد الكثير من الصحابة منهم "أبو أيوب الأنصاري" الذي دُفن في أصل حصن القسطنطينية.

وقد حال الشتاء القارس وصعوبة الإمدادات البشرية والتموينية  لبعد المسافة وضعف وسائل النقل في ذلك الوقت  ثم نقص الأطعمة والأغذية وتفشي الأمراض بين الجند، ومناعة القسطنطينية، فحال ذلك كله دون فتح المدينة، ولقد حاول المسلمون اختراق أسوارها بعد حصارها إلا أنهم فشلوا في ذلك فعادوا دون خسائر كبيرة عام 50 هجرية.

وقد تحققت نبوءة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك الجيش  - صاحب أول محاولة لفتح القسطنطينية - حيث قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا، وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم".

المحاولة الثانية: في عام 54 هجرية، أرسل "معاوية بن أبي سفيان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حملة بحرية بقيادة "عبد الرحمن بن خالد بن الوليد"، حيث أعدّ "معاوية" أسطولاً بحريًا ضخمًا لحصار القسطنطينية، واتخذ الأسطول الإسلامى من جزيرة "أرواد" قاعدة لعملياته الحربية وذلك لقربها من المدينة، وظل الجيش الإسلامى محاصرًا للقسطنطينية ومرابطًا أمام أسوارها من سنة 54 هجرية إلى سنة 60 هجرية حيث عرفت هذه الحملة "بحرب السنين السبع"، وكانت هذه الأساطيل تنقل الجنود من هذه الجزيرة إلى البر لمحاصرة أسوار القسطنطينية، وقد أرهق هذا الحصار البري والبحري البيزنطيون، وألحق المسلمون بهم خسائر فادحة، ورغم ذلك لم يتمكن المسلمون من فتح المدينة.

المحاولة الثالثة: في عام 97 هجرية أرسل الخليفة الأموي "سليمان بن عبد الملك" حملة بحرية برية لحصار القسطنطينية بقيادة أخيه "مسلمة بن عبد الملك" رحمه الله، ولما سمع البيزنطيون تحرك الجيش الإسلامى بدأوا في تدعيم وسائل الدفاع عن أسوار المدينة، واهتموا بتقوية الدفاعات البحرية تحسباً لحصار قد يطول أمده كما حدث في الحصار الثاني.

تحرك الجيش الإسلامي بأسطول بحري قوامه (1,800) سفينة تحمل (120,000) مقاتل، وضرب المسلمون الحصار على المدينة لمدة عامين، ولكن باءت هذه المحاولة أيضاً بالفشل.

وكان من أهم أسباب فشل هذه الحملة استخدام البيزنطيون للنار الإغريقية حيث دمرت عددًا كبيرًا من سفن الأسطول الإسلامى، وعندما تولّى "عمر بن عبد العزيز" الخلافة أرسل إلى الجيش بفك الحصار والعودة.

المحاولة الرابعة: في عام 165 هجرية جهّز الخليفة العباسي "محمد المهدي" حملة إلى القسطنطينية بقيادة ابنه "هارون الرشيد"، وكان قوام الجيش الإسلامى (95,000) مقاتل، وضرب المسلمون الحصار على أسوار المدينة التي كانت في سدّة حكمها آن ذاك "أيرين" زوجة "أليون" والملقبة ب "أغسطة"، والتي كانت وصية على ابنها الوريث لعرش القسطنطينية "قنسطنطين" وكان يبلغ حينها 9سنوات، فلما اشتدّ الحصار على المدينة ورأت القتل في الجنود طلبت الصلح من "الرشيد" على أن تدفع له جزية سبعون ألف دينار كل عام، وتعاهدت معه على هدنة 3 سنوات، فقبل منها "الرشيد" ذلك وتم فك الحصار عن المدينة.

المحاولة الخامسة: في عهد السلطان "بايزيد الأول" الصاعقة كان الحصار العثماني الأول للقسطنطينية والمحاولة العثمانية الأولى لفتحها، حيث كان "بايزيد الأول" قد أخضع أباطرة القسطنطينية تحت سلطته بعد انتصاره في معركة "نيكوبوليس" الخالدة، حيث يعيّن من يشاء ويأخذ منهم الجزية، فاستغلّ الإمبراطور "يوحنا الخامس" انشغال "الصاعقة" بفتح "فيلاديلفيا"، فبدأ بترميم أسوار القسطنطينية وأبراجها وتعزيز دفاعاتها في علامات للتمرد على السلطان "بايزيد الصاعقة"، علم السلطان بذلك وأرسل إليه يهدده بفقأ عيني ابنه "إيمانويل" الذي كان رهينة مع الجيش العثماني إن لم يهدم كافة أعمال الترميم، فانصاع "يوحنا" لأمر السلطان، ثم بعد ذلك مات حنقًا وحسرةً من إذلال السلطان "بايزيد" له، ولما علم ابنه بوفاة أبيه تسلل من الجيش العثماني ودخل القسطنطينية وتربّع على عرشها.

وهنا ضرب السلطان "بايزيد الصاعقة" بجيشه العرمرم حصاره على المدينة في عام 796 هجرية والذي دام 7 أشهر، وعانى أهلها من الحصار أشد المعاناة، وكادت المدينة أن تسقط، وكانت نية السلطان صارمة حازمة في فتحها، ولكن علم السلطان بقدوم جيوش المغول بقيادة "تيمور الأعرج"، ففكّ الحصار بعد إخضاع الإمبراطور "إيمانويل" لشروط مجحفة منها:

- إنشاء مسجد للمسلمين في قلب القسطنطينية.

- تخصيص 700 منزل في القسطنطينية لتكوين حيّ إسلامي فيها.

- إنشاء محكمة شرعية يعين السلطان العثماني قاضيها.

- زيادة قيمة الجزية المدفوعة.

- إنشاء قاعدة عسكرية عثمانية مكونة من 6000 جندي في القسطنطينية.

- تقديم فرقة عسكرية بيزنطية تقاتل إلى جانب العثمانيين.

المحاولة السادسة: أراد السلطان العثماني "مراد الثاني" الاطمئنان على الوضع الداخلي للدولة خصوصاً بعد الاضطرابات التي حدثت في فترة "الفترة"، فعزم على تجديد الصلح الذي قام به أبوه مع الدولة البيزنطية، فاستغل الإمبراطور البيزنطي هذا الظرف الصعب وطلب من السلطان تسليم اثنين من إخوته لضمان تنفيذ الصلح، وإلا سيطلق سراح عمه "مصطفى" الذي يطالب بالسلطنة ويمده بالسلاح.

رفض السلطان ذلك، وبالفعل جهز الامبراطور البيزنطي جيشاً ل"مصطفى" وأمده بالسلاح لمواجهة السلطان "مراد"، وهُزم جيش "مصطفى" وتم إعدامه، ولم يكتف السلطان بذلك بل أراد تأديب الإمبراطور البيزنطي فحاصر مدينة القسطنطينية في عام 824 هجرية، وقذفها بالمدافع الناريَّة، ويُحْتَمل أن تكون هذه هي المرَّة الأولى التي يستخدم فيها الجيش العثماني هذه المدافع.

كانت النتيجة أن أذعن الإمبراطور للسلطان، وطلب الصلح على أن يدفع جزيةً سنويَّةً إلى الدولة العثمانية قيمتها ثلاثمائة ألف أقجة فضية، مات الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني وخلفه ابنه الإمبراطور چون الثامن على الحكم، ولم يحدث تغيير سياسي في ظلِّ الولاية الجديدة لچون الثامن، ومِنْ ثَمَّ ساد الهدوء على الجبهة البيزنطية لمدَّة خمس عشرة سنةً كاملة!.

الدكتور سليمان عباس البياضي

عضو اتحاد المؤرخين العرب 


الدكتور سليمان عباس البياضيالدكتور سليمان عباس البياضي
كلمات البحث