حتى القرن الحادي والعشرين، تظل كلمات جون غونت في مسرحية "ريتشارد الثاني" لشكسبير من أكثر العبارات تكرارًا وأشدها احتفاءً بالأمة الإنجليزية، يعج أدب العصر الإليزابيثي بمدائح مماثلة لبلد يُنظر إليه على أنه يتمتع بالاستقلال والتفوق.
موضوعات مقترحة
هذا العرش الملوكي للملوك،
هذه الجزيرة ذات السيادة،
هذه الأرض النبيلة، مقر المريخ،
هذه الجنة الأخرى، الفردوس المصغر،
هذا الحصن الذي شيدته الطبيعة لنفسها،
لتصد العدوى وشرور الحرب،
هذه السلالة المحظوظة، هذا العالم المصغر،
هذه الجوهرة الثمينة المرسومة في البحر الفضي،
التي تشكل سورًا،
أو خندقًا يحمي الديار،
من غيرة الأراضي الأقل حظًا،
هذه الأرض المباركة، هذه المملكة، هذه إنجلترا...
ومع ذلك، فإن ما قد يبدو حماسة قومية متشددة لدى الإليزابيثيين يخفي في الواقع صورة أكثر تعقيدًا واضطرابًا، فلم يكن معظم الكُتّاب الإنجليز متيقنين تمامًا من تفوق أمتهم الفطري، أو حتى من تعريفها الدقيق.
لم تكن إنجلترا في أي وقت من الأوقات جزيرة خاضعة لسيطرة مطلقة، ففي القرن السادس عشر، شارك الإنجليز جزيرة بريطانيا مع ويلز وأسكتلندا، وكانت علاقتهم بهما متأرجحة بين تعايش مضطرب وغير متكافئ، وصراع مفتوح.
أما علاقتهم بأيرلندا فكانت أكثر اضطرابًا وإثارة للقلق، إذ قاد ريتشارد الثاني حملة عسكرية هناك في مسرحية شكسبير، وهو ما عجّل بسقوطه. وعلى الصعيد الدولي، لم يكن الانفصال الذي امتدحه جون غونت خيارًا بقدر ما كان واقعًا مفروضًا. فقد وجدت إنجلترا الإليزابيثية نفسها دولة بروتستانتية معزولة في مواجهة قارة أوروبية كاثوليكية في معظمها، بملكتها المطرودة ومنبوذة بين الأمم. لذا، كان الإنجليز قلقين إلى حد الهوس بشأن نظرة الزوار الأجانب إليهم، ولم يكن مستغربًا أن يحاولوا في بعض الأحيان تعويض هذا القلق بإظهار التباهي الوطني المفرط.
لم تكن أيرلندا المتمردة مجرد تحدٍّ للحكم الإنجليزي، بل شكّلت أيضًا معضلةً للهُوية الثقافية، فقد اعتقد العديد من الإداريين والمغامرين الإنجليز الذين استقروا هناك في أواخر القرن السادس عشر، وذوي النزعة المثالية، أن الأيرلنديين، إذا ما تعلموا "الأدب" – أي القوانين والعادات واللغة الإنجليزية – فسيصبحون في النهاية غير مميّزين عن الإنجليز أنفسهم.
في المقابل، رأى المتشائمون أن الأيرلنديين بطبيعتهم ميّالون إلى التمرد والوحشية. وفي كلتا الحالتين، كانت العواقب وخيمة على السكان الأصليين: فمن اعتقدوا بإمكانية تهذيب الأيرلنديين لجأوا إلى أقسى الأساليب لتحقيق غايتهم، بينما لم يجد من رفضوا هذه الفكرة حلًّا سوى الاستعباد أو الإبادة.
لكن بينما ناقش الإنجليز قدرة الأيرلنديين على التكيف، واجه المستوطنون أمثلة مُقلقة على تأقلم الإنجليز أنفسهم، إذ وجدوا أحفاد الغزاة الإنجليز في العصور الوسطى وقد تبنوا، بمرور الوقت، العادات واللغة واللباس الأيرلندي، حتى باتوا لا يختلفون عن أولئك الذين كان من المفترض أن يخضعوهم. وهكذا، لم تكن الحروب الأيرلندية في أواخر القرن السادس عشر مجرد صراع على السيطرة، بل كانت أيضًا معركة على مستقبل الهُوية الإنجليزية نفسها.
في الداخل، سعت إنجلترا إلى ترسيخ سيطرتها على ويلز واسكتلندا. فبعد أن أُخضعت ويلز في أواخر القرن الثالث عشر، جرى دمجها بالكامل في الدولة الإنجليزية خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن السادس عشر، حيث مُثلت في البرلمان في وستمنستر. ومع ذلك، ظل الويلزيون شعبًا متميزًا، بلغتهم المستقلة واعتزازهم العميق بكونهم أحفاد البريطانيين القدماء، الذين استوطنوا الجزيرة قبل الأنجلو ساكسون بوقت طويل. وكان مصطلح بريتون يُستخدم غالبًا للإشارة إليهم حصريًا، رغم أنه قد يحمل أيضًا معنى أوسع يشمل جميع سكان الجزيرة، من ويلزيين وإنجليز وإسكتلنديين.
في الوقت الذي أصر فيه الساسة الإنجليز على إخضاع اسكتلندا، حاولوا الترويج لفكرة الهوية المشتركة تحت مسمى بريطانيا، وهو ما قابله الإسكتلنديون بالرفض، معتبرين أن بريطانيا ليست سوى تسمية أخرى لإنجلترا. لكن الأمور تغيرت مع صعود الملك جيمس ملك اسكتلندا إلى العرش الإنجليزي عام 1603، حيث أصبح ملك إسكتلندي هو من يطالب جميع رعاياه باعتبار أنفسهم بريطانيين، بينما تمسك الإنجليز بهويتهم الوطنية الإنجليزية.
وقد اندلع جدل طويل حول تعريف ومستقبل الهُوية البريطانية، انعكس بشكل رئيس عبر النصوص، مما أدى إلى سيلٍ من الكتيبات والرسائل الدعائية، بالإضافة إلى أعمال أدبية بارزة مثل "ملكة الجنيات" لإدموند سبنسر و"الملك لير" لويليام شكسبير.
بغض النظر عن حدود الدولة التي نشأت من هذه الصراعات، أو الاسم الذي حملته، اتفق الجميع على أن تُحكم من لندن. شهدت المدينة في القرن السادس عشر نموًا غير مسبوق، مما غيّر نظرة الإنجليز إلى أمتهم والطريقة التي رآها بها الزوار الأجانب. وتشير التقديرات إلى أن واحدًا من كل ثمانية إنجليز أقام في لندن في مرحلة ما من حياته. وقد أثار هذا التحول السريع اهتمام السكان بتاريخ المدينة الغني وتعقيداتها المتزايدة، وهو ما انعكس في الدراسة الاستثنائية التي قدّمها جون ستو حول لندن.
كانت العاصمة أيضًا الوجهة الرئيسة لمعظم الزوار الأجانب، سواء كانوا سفراء أو تجارًا أو لاجئين بروتستانت، أو حتى سياحًا مثل السويسري الألماني توماس بلاتر، الذي اختتم زيارته لإنجلترا بحضور عرضٍ مسرحي لشكسبير.
إعداد: ستيفن جرينبلات، وجورج لوجان، وفيليب شويزر
ترجمة: د. أشرف إبراهيم زيدان
أستاذ الأدب الإنجليزي المساعد
رئيس قسم اللغة الإنجليزية ـ كلية الآداب ـ جامعة بور سعيد
الأستاذ الدكتور أشرف زيدان