أشعار ومديح وأيقونات تخلد حكاية أمير الشهداء.. قصة مولد القديس مارجرجس بالرزيقات| صور

16-11-2025 | 21:34
أشعار ومديح وأيقونات تخلد حكاية أمير الشهداء قصة مولد القديس مارجرجس بالرزيقات| صور مولد القديس مارجرجس بالرزيقات
محمود الدسوقي

وُلد القديس جرجس عام 280م بمدينة اللدّ الفلسطينية لأبوين مسيحيين، وتميّز بقدرة عسكرية لفتت نظر الإمبراطور دقلديانوس، الذي عيّنه قائداً في جيشه، غير أن جرجس جاهر بإيمانه المسيحي، ورفض اضطهاد المؤمنين، فتعرض لتعذيب استمر سبع سنوات، ما جعله نموذجاً للصبر والثبات.

وتشير الذاكرة القبطية إلى أن جزءاً من تعذيبه جرى في مصر، حيث ما تزال الأدوات المستخدمة في تعذيبه محفوظة في كنيسة مصر القديمة، ومنها المشط الحديدي والعجلة المسننة.

بدوره يقول الباحث فى التراث أشرف أيوب معوض فى نصريحات لـ"بوابة الأهرام"، إن البعد التاريخي القوي في حياة القديس مارجرجس فتح الطريق أمام تحوّله إلى بطل شعبي، إذ رأى فيه الناس نموذجاً للمقاتل الشجاع الذي يتحدى السلطة الظالمة ويثبت على إيمانه حتى الموت، مضيفًا أنه توسّع الوجدان الشعبي في تصوير القديس، فظهر في مئات الأيقونات واللوحات الشعبية، مُمتطياً جواده الأبيض، طاعناً التنين، منقذاً العذراء، وهي صورة أصبحت بمثابة الرمز البصري الأبرز للخير والانتصار على الشر، وقد لاحظ الباحثون التشابه بين هذه الصورة وصورة الإله حورس في النقوش المصرية القديمة وهو يطعن «ست» المتجسد في هيئة تمساح، ويوضح أيوب أن هذا الامتداد الرمزي يبرز كيف امتصّت الثقافة القبطية الموروث المصري القديم وأعادت إنتاجه في قالب مسيحي.

وقد أثرت هذه الصورة في الفن العالمي، إذ استلهمها الفنان الإيطالي رفائيل في لوحته الشهيرة «مار جرجس الروماني» المحفوظة باللوفر، ما يعكس عالميّة الأسطورة واستمرارها على مدار القرون.


مولد القديس مارجرجس بالرزيقات

مار جرجس في المجتمع الشعبي

حاز القديس مكانة خاصة بين المصريين مسيحيين ومسلمين، فلقّبوه بـ «سريع الندّهة»، ونسجوا حول معجزاته روايات شفهية طويلة تُغنّى على الربابة في الموالد. وتكاثرت الأسماء الشعبية المنسوبة إليه، مثل «أبو جرجو» و«جورجي» و«سان جورج»، بينما ترددت في المخيال الشعبي أسطورة التنين، التي تم تدوينها عام 1941م في منظومة شعرية من 622 بيتاً، وهي تُعد من أطول المديحيات الشعبية القبطية.

احتفال الرزيقات 

ويعد مولد مار جرجس بالرزيقات – في مركز أرمنت بالأقصر – واحداً من أهم الاحتفالات الشعبية في مصر، ويقام سنوياً في الأسبوع الثالث من نوفمبر، في ديرا باسمه، ويتميز الاحتفال بمزيج فريد من الطقس الديني والاحتفال الشعبي؛ ففي داخل الدير تُقام القداسات اليومية في الكنيسة الأثرية، وتُجرى «دورة القديس». 

ويضيف أشرف معوض، إن المصريين ارتبطوا عبر العصور، بالقديسين والشهداء بوصفهم وسطاء للرحمة والشفاعة والنجدة، فحرصوا على زيارتهم والاحتفال بأعيادهم وتزويد كنائسهم بالنذور وطلب البركة منهم، وفي مقدمة هؤلاء القديسين يبرز الشهيد العظيم مار جرجس. 

ويعد مارجرجس أحد أهم رموز التدين الشعبي القبطي، بل المصري كله، بعد أن انصهرت سيرته التاريخية في قالب أسطوري وفني وروحي ما زال يتجدد حتى اليوم.


مولد القديس مارجرجس بالرزيقات

أيقونة مارجرجس

تتواجد أيقونة مارجرجس في موكب مهيب تتعالى فيه الترانيم، فيما يتبرك الزوار بالأيقونات ولمس الستائر والشموع، ويطالعون سجل المعجزات الذي يضم شهادات شفاء وتدخلات روحية تُنسب لشفاعة القديس.

وعلى الجانب الشعبي تمتد الخيام التي تستقبل الزوار طوال أسبوع كامل، وتتحول إلى تجمعات اجتماعية متوارثة، بينما يصدح صوت الربابة والموال الشعبي في إنشاد «مديحة مار جرجس الروماني» وقصائد الموالد

ويوضح أيوب، أن الزفة الشعبية تتقدم في الدرب مصحوبة بالدفوف والصاجات وأصوات الطبول، ولا تغيب النذور التي تتجلى في ربط الأقمشة الملوّنة وتقديم الشموع والزيوت وذبح المواشي للفقراء، إلى جانب الحركة التجارية النشيطة التي تنتشر في أرجاء الدير، وتشمل بيع الحُليّ والأيقونات والصور والألعاب الشعبية، في مشهد يجمع بين الورع الديني والفرح الشعبي في آن واحد.


مولد القديس مارجرجس بالرزيقات

البعد الإسلامي–المسيحي

يشهد المولد حضوراً واسعاً من المسلمين الذين يشاركون في طلب البركة، وشراء الصور، وتقديم النذور، في صورة واضحة من صور التدين الشعبي المشترك.

ويُنظر للقديس في المخيال الشعبي المسلم بوصفه «شيخاً» و«سيداً» له كرامات، وتداخلت صورة القديس مع سيدنا الخضر في التراث الإسلامي  مما يؤكد عمق التداخل الثقافي والديني في المجتمع المصري.

البعد الأنثروبولوجي للاحتفال

يُظهر مولد الرزيقات استمراراً واضحاً لعدد من السمات المصرية القديمة، حيث يلتف الجمهور حول بطل منقذ على نحو يذكّر باحتفالات المصريين بحورس المنتصر، كما تتجلى «الزفّة» في شكل تظاهرة طقسية تعود جذورها إلى العصور الفرعونية، ويتواصل الربط بين المكان المقدس والقوة الشفائية بما يشبه الاعتقاد المصري القديم في الأماكن المباركة وطاقتها الروحية.

وفي الوقت نفسه يعكس المولد التكوين الاجتماعي العميق للصعيد، إذ يعيد إنتاج روابط القرابة والجيرة، ويستعيد قيم التضامن الشعبي، ويجدّد الإيقاع القروي الخاص الذي يميّز الهوية القبطية في الجنوب، في مزيج يربط بين الذاكرة القديمة والحياة الشعبية المعاصرة.


مولد القديس مارجرجس بالرزيقات

مار جرجس.. رمز انتصار الخير

ويضيف أشرف أيوب معوض ، أنه تبقى صورة القديس الفارس، الممتطي لصهوة جواده، والطاعن للتنين، رمزاً بصرياً وروحياً لانتصار الخير على الشر. وتعيد الثقافة الشعبية المصرية إنتاج هذه الصورة – في الأيقونات، وفي الموالد، وفي الفن الشعبي – بوصفها مثالاً للبطولة الأخلاقية والنجدة والشجاعة، وهي قيم شكلت جزءاً أصيلاً من الهوية المصرية.

تاريخ الدير 

يعرف دير مارجرجس بـ دير الرزيقات، ويقع في محافظة الأقصر على بعد 13 كيلو مترًا جنوب أرمنت، وترجع أصول الكنيسة الموجودة به إلى القرنين الـ18 والـ19، حيث بُنيت مكان الكنيسة التي تعرضت للهدم بسبب انتشار النمل الأبيض في المنطقة خلال هذا الوقت، وشهد دير مارجرجس بالرزيقات تحولًا كبيرًا بدءًا من عام 1975 حيث بدأ الأنبا أغاثون في ترميم الدير بعدما جرى تكليفه برعاية الإيبارشية، إذ جرى بناء سور جديد، وتوفير المرافق، ومن وقتها أصبح يقام احتفال عيد مارجرجس الرزيقات تحت إشراف البطريركية مباشرة بصورة سنوية، وهو مولد يجتذب سنويا آلاف المواطنين من كافة المحافظات المصرية. 


الباحث أشرف أيوب معوض

كلمات البحث