شقق إسكان الشباب .. تحديات وحلول

16-11-2025 | 16:09

الأسعار أصبحت بالملايين .. والمساحات تراجعت إلى ستوديوهاتٍ .. هكذا حال سوق العقارات. أرقامٌ فلكيةٌ تجاوزت قدرات الشرائح الواسعة في المجتمع فلم يعد اقتناء شقة تصلح لشابٍ يخطو أولى خطواته في الحياة بالأمر اليسير؛ بل ربما صار مستحيلاً في ظل أسعارٍ مجنونةٍ تجاوزت كل التوقعات وحطمت جميع الحسابات، وكل ذلك في غياب برامجَ تمويليةٍ تساعد أولئك الذين ينتمون لشريحة محدودي الدخل، وتوفر لهم نظم سداد تواكب دخولهم التي تئن تحت وطأة الأعباء الاقتصادية المتصاعدة.

هي بكل المقاييس أزمةٌ كبيرةٌ تتطلب كل تحركٍ مسئولٍ يعيد تنظيم سوق العقارات، ويحقق التوازن في معادلة البيع والشراء. وهنا يقع العبء الأكبر في ضبط آليات السوق على الدولة باعتبارها المسئول الأول والضابط الرئيسي للسوق والمحتكر لأهم مكون في الاستثمار العقاري وهو الأرض وبعض المدخلات الأخرى، وإلا فإن استمرار الوضع الحالي لن يجلب سوى تفاقمِ الأزمةِ وحدتِها وتصاعد تداعياتها على المجتمع.

ولا يعقل أنه في ظل هذه الأسعار الخيالية يقوم البنك المركزي مؤخراً بزيادة الفائدة على التمويل العقاري من 3 إلى 8% لإسكان محدودي الدخل ومن 8 إلى 12% لإسكان متوسطي الدخل، مما ترتب عليه زيادةٌ إضافيةٌ على أسعار الوحدات السكنية لمحدودي الدخل وفي القلب منه شريحة الشباب.

وكان الأجدر تخفيض هذه الفائدة مع تصاعد أسعار الوحدات أو الإبقاء عليها في حدودها السابقة خصوصاً في ظل الاتجاه العام للسياسة النقدية للبنك المركزي التي تتجه نحو خفض الفائدة بالتوازي مع تراجع معدلات التضخم، لكن ما حدث وللأسف هو العكس، وتم رفع سعر الفائدة على التمويل العقاري، وهو بالطبع وضعٌ غريبٌ لا يتسق مع الاتجاهات الاقتصادية العامة؛ مما أضاف عقبةً جديدةً أمام الباحثين عن وحدةٍ سكنيةٍ من الشباب على الرغم من أن التمويل العقاري في ثوبه القديم لم يكن الحصول عليه بالأمر السهل ومعظم البنوك كانت تضع من القيود والإجراءات الإدارية المعقدة ما يجعل منه تجربةً سيئةً ورحلةَ معاناةٍ غالباً ما تنتهي برفض طلب التمويل.

وعلى الجانب الآخر من معادلة العقار في مصر، يأتي المطور العقاري الذي دائماً ما يتبرأ من تهمة المغالاة في الأسعار، ويدفع في أسباب هذا الارتفاع الجنوني بحججِ زيادة تكلفة البناء ومدخلاته التي شهدت ارتفاعات قياسية، سواء في سعر الأرض الذي تحتكره الدولة أو مواد البناء التي زادت بفعل أسعار الوقود وسعر الصرف، وكذا تكلفة الاقتراض من البنوك التي وصلت إلى 32% وهي كلها عوامل تدخل في حساب التكلفة، وبالتالي تزيد من أسعار العقارات وتخرج بها إلى خارج دائرة وقدرات شرائحَ واسعةٍ من المجتمع.

المؤكد أننا أمام معضلةٍ حقيقيةٍ تستوجب تدخلاً من الدولة عبر حزمةٍ من الإجراءات والسياسات التي تضبط سوق العقارات، وتوفر ضمانات لحصول الشباب على وحدات سكنية وفق نظم تمويل تناسب دخولهم.

وفي تقديري أن أولى التحركات في هذا الشأن يجب أن تتجه إلى توفير آلية جديدة للشراكة بين الدولة وشركات القطاع الخاص لإنشاء مشروعاتٍ نوعيةٍ للشباب لا تخضع لآليات السوق. ووفق هذه الآلية تقدم الدولة الأرض بسعرٍ خاصٍ مع توفير نظم تمويل بنكية مخفضة تتيح للشباب فرص شراء الوحدات السكنية وفق نظم ميسرة تتوافق مع ظروفهم الاقتصادية مع وضع الضمانات اللازمة سواء في التخصيص للمستحقين أو في تقييد التصرف في الوحدات فيما بعد لمنع الاتجار فيها.

فلاشك أن التوسع في مشاركة القطاع الخاص في هذا النوع من السكن ووفق قواعد وشروط تخصيص وتمويل واضحة سيوفر حلولاً واقعيةً لأزمة إسكان الشباب ويحد من جنون الأسعار التي لم تعد في متناول الشريحة الأكبر في المجتمع، كما أنه سيدعم الدور المهم الذي يقوم به صندوق الإسكان الاجتماعي ولا ينتقص منه، وأعتقد أن الصندوق بدأ يدرس مقترحاتٍ للشراكة مع القطاع الخاص في هذا المجال ربما تحقق هدف توفير وحدةٍ سكنيةٍ للشباب من شريحة محدودي الدخل.

الخلاصة أن قضية السكن باتت واحدةً من أهم القضايا المجتمعية التي تحتاج إلى حلولٍ عاجلةٍ تعيد الأمور في السوق العقاري إلى نصابها، وتضمن لكل مواطن حق الحصول على سكن مناسب بسعرٍ مناسبٍ.. أما ترك الأمور هكذا بلا حسيبٍ أو رقيبٍ، تحت زعم العرض والطلب، فهي مخاطرةٌ غيرُ محسوبةٍ بالاقتصاد والسلام المجتمعي.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: