بداية، أود التعبير عن الترحيب الحار بالزيارة الرسمية المرتقبة التي سيقوم بها لمصر رئيس جمهورية كوريا، لي جيه-ميونج، تتويجًا للاحتفالات التي تقام في الدولتين الصديقتين بمناسبة مرور 30 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
وفقًا لمدير مكتب الأمن القومي الكوري، وي سانج-راك، تستهدف الجولة الخارجية للرئيس لي جيه-ميونج-التي تشمل الإمارات وجنوب أفريقيا وتركيا-تعزيز العلاقات الكورية مع دول منطقة الشرق الأوسط، والتعاون في قطاعات الصناعات الدفاعية والصحية، والتكنولوجيا المتقدمة، بالإضافة إلى مجالات السلام والازدهار والثقافة.
زيارة لي جيه-ميونج لمصر سوف تكون ثالث زيارة رسمية يقوم بها رئيس كوري جنوبي. الأولى جرت في شهر مارس عام 2006، في عهد الرئيس الراحل روه مو-هيون، والثانية في يناير 2022، أجراها الرئيس الأسبق، مون جيه-إن.
في أثناء زيارتي الأخيرة لليابان، أتيحت لي فرصة ذهبية لكي أتابع-عن قرب-مدى حيوية وبراجماتية الدبلوماسية الكورية، في قيادة قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، آبيك، التي استضافتها مدينة كيونج جو، وإصرار سول على إنجاحها، تحت شعار: "بناء مستقبل مستدام بالتواصل والابتكار والازدهار".
سول أكدت أن التواصل في آبيك يتعزز بالتبادلات المؤسسية والشعبية، والابتكار الرقمي يتعاظم بتضييق الفجوة الرقمية والتعاون في الذكاء الاصطناعي، والازدهار يتحقق بالنمو المستدام والشامل مع الاستجابة الجماعية للقضايا العالمية الملحة.
للعلم، فإن آبيك هو منتدى اقتصادي إقليمي، تعود بداياته لعام 1989، وتأسس عام 1993، ويضم-الآن-21 عضوًا تمثل 37% من سكان المعمورة، ويستحوذ على 49.1% من التجارة الدولية، و61.4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
قائمة الأعضاء بالمنتدى تضم الدول: كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة، اليابان، أستراليا، بروناي، كندا، إندونيسيا، ماليزيا، نيوزيلندا، الفلبين، سنغافورة، تايلاند، الصين، المكسيك، بابوا غينيا الجديدة، تشيلي، بيرو، روسيا، فيتنام. بالإضافة إلى منطقتي هونج كونج وتايوان، ومراقبين رسميين من: رابطة دول جنوب شرق آسيا، منتدى جزر المحيط الهادئ، ومجلس التعاون الاقتصادي للمحيط الهادئ.
تتمثل رسالة آبيك في دعم النمو الاقتصادي المستدام والازدهار بمنطقة آسيا-المحيط الهادئ، وتتحد اقتصادات الأعضاء في سعيها لبناء مجتمع ديناميكي ومتناغم، وتعزيز التعاون الاقتصادي والفني، وتهيئة بيئة أعمال مواتية ومستدامة.
في 2020، أقرت قمة منتدى آبيك بماليزيا رؤية "بوتراجايا 2040"، وتتضمن الرؤية الأولويات الهادفة لتحقيق "مجتمع آسيوي ومحيط هادئ منفتح وديناميكي ومرن وسلمي بحلول 2040، من أجل ازدهار جميع الشعوب والأجيال المقبلة".
العاصمة الكورية الجنوبية سول كانت قد استضافت الاجتماع الوزاري الثالث لمنتدى آبيك 1991، واجتماع قادة المنتدى في بوسان 2005، وفي هذا العام، 2025، تولت كوريا الجنوبية قيادة المنتدى مجددًا بعد عقدين من الزمن، لتحقيق رؤية "بوتراجايا 2040"، مع التركيز في آبيك على 3 محاور اقتصادية رئيسية، هي: التجارة والاستثمار، الابتكار والرقمنة، والنمو الآمن والمستدام والشامل.
هذه الخلفية عن منتدى آبيك قصدت البدء بتوضيحها قبل الدخول في الموضوع، تحديدًا بعد أن تولت كوريا الجنوبية دفة القيادة، وباتت مُطالبة-وفقًا لصحيفة كوريا هيرالد-بأن تصبح جسرًا عالميًا للتواصل بين أعضاء المنتدى، في ظل حقل ألغام، وتحديات خطيرة تواجه النظام العالمي متعدد الأطراف، وتزايد التحركات الحمائية.
سول واجهت معضلة، ليس فقط في تبني رؤية بوتراجايا 2040 لتحقيق مجتمع آسيوي ومحيط هادئ منفتح وديناميكي ومرن وسلمي بحلول عام 2040، من أجل ازدهار الشعوب والأجيال، بل تعقدت مهمة سول أكثر لأن قائمة القمة ضمت دولًا ومناطق هي نفسها المصدر الرئيسي-أو الضحايا-لحالة الاضطراب المروعة في البيئة الأمنية والاقتصادية العالمية، وتكفي الإشارة لأسماء مثل: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، اليابان، كوريا، كندا، أستراليا، المكسيك، تايوان، وهونج كونج.
بالرغم من خلافات الرسوم الجمركية العميقة بين الولايات المتحدة والصين، مثلًا، وهما أكبر قوتين اقتصاديتين بمنتدى آبيك، نجحت براجماتية الدبلوماسية الكورية في تضييق الخلافات بين واشنطن وبكين وطوكيو وموسكو، والتوصل فيما بينهم لاتفاق بشأن "إعلان كيونج جو"، إضافة إلى وثيقتين أخريين لنتائج أعمال القمة.
يدعو "إعلان كيونج جو" أعضاء منتدى آبيك، الذين يمثلون نصف اقتصاد العالم، للعمل معًا نحو تعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية، باعتبارها محركًا جديدًا للنمو في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتبنت القمة بالإجماع مبادرة الذكاء الاصطناعي.
يُذكر أن قمة آبيك لعام 2018 في بابوا غينيا الجديدة، فشلت-إبان ولاية ترامب الأولى-في اعتماد إعلان مشترك، واكتفت بإصدار بيان الرئيس، بسبب الخلافات التي جرت-وقتها-بين واشنطن وبكين، حول إصلاحات منظمة التجارة العالمية.
براجماتية الدبلوماسية الكورية وفرت منصة نموذجية لزعماء دول العالم-على هامش قمة آبيك-لمناقشة مشكلات التجارة الحرة، واستضافت أول اجتماع وجهًا لوجه بين الرئيس الصيني شي جين بينج، ونظيره الأمريكي ترامب في ولايته الثانية، وسط تصاعد الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، وتوصل الزعيمان، شي و ترامب، لاتفاق من شأنه تخفيف التوتر بين الدولتين، ووعود بزيارات متبادلة.
بالنظر إلى تركيز آبيك تاريخيًا على القضايا الاقتصادية، فإن هامشها للتعامل مع القضايا غير الاقتصادية يُعتبر محدودًا، وتظهر سوابق القمة أن المحتوى المتعلق بالأحداث غير الاقتصادية لم ينعكس إلا في حالات استثنائية، في إعلانات آبيك، خلال الأحداث المهمة، مثل هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، وغزو روسيا لأوكرانيا.
في الوقت نفسه، وفرت قمة آبيك أكبر منصة نموذجية، وأول اختبار عملي ميداني لأداء براجماتية الدبلوماسية الكورية الجنوبية، التي تبناها وتعهدها الرئيس لي جيه-ميونج، كمنهج عام لحكمه، مذ بدء ولايته في شهر يونيو الماضي، ومارسها الرئيس لي بمهارة مع القادة، مُتبعًا أساليب واتصالات دبلوماسية عملية للإنجاز، تحديدًا، بخصوص القضايا الأمنية والاقتصادية الدولية، بما في ذلك محادثات ثنائية جرت مع كل من ترامب وشي، ورئيسة مجلس الوزراء الياباني، تاكايتشي ساناي.
تبقى الإشارة إلى أن الأنظار تتطلع إلى نجاح الدبلوماسية البراجماتية الكورية الملهمة في تعميم رؤية بوتراجايا 2040، لتصبح عالمية، وليس فقط تحقيق مجتمع آسيوي ومحيط هادئ، منفتح وديناميكي ومرن وسلمي، بحلول 2040.
[email protected]