السياسة الخارجية العُمانية.. عقلية سياسية بميراث تاريخي حضاري جوهرها الحياد الفاعل والسلام

13-11-2025 | 13:59
السياسة الخارجية العُمانية عقلية سياسية بميراث تاريخي حضاري جوهرها الحياد الفاعل والسلامالسلطان هيثم بن طارق آل سعيد سلطان عُمان

يرسخ احتفال سلطنة عُمان بيومها الوطني المجيد في 20 نوفمبر، الارتباطَ العميق بجذور الدولة البوسعيديّة على يد الإمام  المؤسّس أحمد بن سعيد عام 1744م  ومنذ ذلك الحين، ظلّت الأسرة البوسعيدية حاضرةً في قيادة مسيرة الدّولة، محافظةً على توازنها الداخلي، ومواجهةً لتحدّيات الخارج، مُكرّسةً قيم الاستقرار والانفتاح، مواصلةً مسيرة البناء والتجديد؛ فإرثُ التأسيس لم يكن لحظةً عابرةً، بل مشروعًا ممتدًّا تتواصل دلالاته في حاضر النهضة المتجدّدة، بقيادة السُلطان هيثم بن طارق آل سعيد، سلطان عُمان.

موضوعات مقترحة

فالباحث في التاريخ السياسي لسلطنة عُمان، يجد أنها دولة تاريخية عريقة ذات حضارة قديمة تمتد لآلاف السنين، وتتميز بتاريخها البحري والتجاري، بالإضافة إلى كونها من أوائل الدول التي اعتنقت الإسلام طواعية. وكانت عُمان قوة مؤثرة عبر التاريخ، إذ تمكنت من بناء إمبراطورية قوية امتدت نفوذها إلى شرق أفريقيا وأجزاء من الهند، وعُرفت ببراعتها البحرية وشبكة تجارية واسعة. 

يرجع تاريخ عُمان إلى آلاف السنين، وتُظهر الحفريات الأثرية وجود حضارة قديمة. عُرفت باسم "مجان" في الحضارات القديمة، مثل السومريين. وكانت عُمان من أوائل الدول التي اعتنقت الإسلام طواعية في عهد النبي محمد "صل الله عليه وسلم"، وما زالت محافظة على هذا الانتماء الديني منذ ذلك الحين.

وفي أوج قوتها، بسطت عُمان نفوذها البحري والتجاري على منطقة واسعة، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حيث شملت الإمبراطورية العُمانية أجزاء من شرق أفريقيا وجنوب آسيا، وتعرضت عُمان للاحتلال البرتغالي في القرن السادس عشر، لكنها تمكنت لاحقًا من التغلب على الغزاة الأوروبيين واستعادة سيادتها، مما يدل على قوة المقاومة العُمانية. ثم شهدت عُمان مسيرة من التطور والحداثة مع بداية القرن الحادي والعشرين، محافظًةً على إرثها الحضاري العريق، وبناء علاقات متوازنة مع الدول الأخرى. 

لقد كانت عُمان تستحضر مركزيتها في كل مرحلة تواجه فيها تحديات، ومع استحضار المركزية تحضر القيم والمبادئ السياسية التي رسخت سياستها الخارجية، حدث ذلك بوضوح في لحظة تأسيس دولة اليعاربة وطرد البرتغاليين، وحدث في لحظة تأسيس الدولة البوسعيدية وإعادة توحيد عُمان في لحظة تاريخية مفصلية ليس على مستوى الداخل في عُمان ولكن على مستوى الإقليم الذي كان هو الآخر يشهد تغيرات بنيوية ستبقى تأثيراتها ماثلة إلى اليوم.

هذا السياق التاريخي مهم جدا، خاصة أن عُمان تدخل عتبة شهر نوفمبر المجيد الذي تحتفل فيه باليوم الوطني. هذه الدولة العُمانية هي تراكم خبرة الأسلاف لآلاف السنين في منطقة تتقاطع فيها المصالح. والقيم السياسية التي تحكم وهي نتاج توازن بين القوة والشرعية وبين الانفتاح وحراسة الهوية العمانية وبين واقعية المصالح ونزاهة الوسيلة التي لا تنفصل أبدا عن القيم المؤسسة. 

ولعل هذا التماسك حول المركزية العُمانية هو نتاج "عقد اجتماعي" صنعته الممارسة والتجارب على مدى آلاف السنين يقوم على مبدأ العدل والمشاركة وعدم الاختلاف على مركزية عُمان مهما كانت التحديات. 


بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني

وتأسيساً على سير أعلام التاريخ، تعيش عُمان اليوم في عهد السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، سليل سلاطين عُمان العظام، في أزهى مراحلها وقوتها وفي ذروة قيمها ومبادئها السياسية وبنائها المؤسسي ورؤيتها المستقبلية، وعندما تحتفل في العشرين من شهر نوفمبر الجاري بيومها الوطني فإنها تحتفل بكل تاريخها العظيم وبكل تلك المركزية التي بنتها عبر تعاقب السنين والقرون.

ولا يمكن الحديث عن عُمان دون الحديث عن سياستها الخارجية التي باتت اليوم أحد أقوى ركائز القوة الناعمة العمانية. حدث ذلك نتيجة تراكم طويل من المواقف والمساعي واتساق كبير بين القول والفعل.

الواقعية السياسية والنأي عن سياسة المحاور

اختارت سلطنة عُمان الواقعة في منطقة حرجة بين الخليج والمحيط وبين جبهات متقاطعة وحسابات متصارعة أن تنأى بنفسها بعيدا عن محاور الاستقطاب، لكن ذلك النأي لم يضعها في عزلة عن محيطها ولا عن قضاياه. وهذا المزيج المعقد بين الاستقلال والانخراط هو جوهر "العقل السياسي" الذي صاغ مواقف سلطنة عُمان من القضايا العربية والإنسانية ومن فكرة العدالة الدولية ذاتها.
يقوم جوهر النهج العُماني على فكرة الحياد الفاعل الذي لا يختفي خلف الغموض. ولم يكن استقلال الموقف السياسي العُماني وعدم سيرها مع الأحلاف المتصارعة تهربا من المسؤولية، لكن هذا الخط الذي اختارته عُمان كان أحد أهم الشروط لتكتسب عُمان مساحة كبيرة من الثقة والمصداقية التي منحتها مع الوقت قدرة كبيرة على استقبال الخصوم في قاعة واحدة، وعلى تمرير الرسائل حين تنقطع القنوات. وتحوّلت مسقط إلى إحدى العواصم القليلة التي يمكن أن تجتمع فيها أوراق متناقضة دون أن تُحرق الجسور مع أي طرف.

وقد تشكل هذا العقل السياسي العُماني نتيجة ميراث حضاري عريق وفهم دقيق للحركة الثقافية والحضارية والأيديولوجية للمنطقة وأطماع العالم فيها وتصوراته حولها. وامتناع عُمان عن التورط في الصراعات العسكرية، جعلها قبلة وواحة للسلام والاستقرار في المنطقة؛ ومنبراً للحوارات الهادئة من أجل احتواء الصراع.

وقد حافظت عُمان في القضايا العربية المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، على خطاب متماسك أكد دائما على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، والتمسك بقرارات الشرعية الدولية، وإدانة استهداف المدنيين، ورفض تحويل المأساة إلى مادة للمزايدة الخطابية.

وما يميز السياسة الخارجية العُمانية هو التوافق بين القول والفعل؛ فهي لا ترفع شعارات في العلن وتخالف في السر عبر الانخراط في تحالفات تقوض القيم والمبادئ التي تعلنها ولا توظّف العمل الإنساني غطاء لصراع سياسي.. هذا النوع من المبادئ لم يعد حاضرا كثيرا في القيم الدولية التي فقدت بوصلتها الأخلاقية.

ورغم تأكيد عُمان في الكثير من المناسبات على أهمية تطوير آليات العمل الدولي ومراجعة قواعد النظام العالمي إلا أنها تتمسك دائما بأهمية أن يكون القانون الدولي شرطا أساسيا لمنع الانهيار الكامل للنظام العالمي. وهذا المبدأ دفع سلطنة عُمان للتمسك بمبدأ سيادة الدول، واحترام الحدود، وحل النزاعات بالطرق السلمية، ورفض العقاب الجماعي، ودعم دور المؤسسات متعددة الأطراف حين تتعرض للتهميش أو الاستخدام الانتقائي. 

إجمالاً يمكن القول أن خطاب السياسة الخارجية العُمانية متمسك برصانته ومبادئه وقيمه، فضلاً عن أنه خطاب تنويري مهتم باستقرار وازدهار الجميع بعيدا عن الاستقطاب والمصالح. 
 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: