خالد عكاشة: من دون شرعية دولية سيفشل مشروع القوة الدولية في غزة

12-11-2025 | 23:19
خالد عكاشة من دون شرعية دولية سيفشل مشروع القوة الدولية في غزةخالد عكاشة
مها سالم

يشرح خالد عكاشة، الخبير الأمني والمدير العام لمؤسسة "نواة" للاستشارات والدعم وبناء السلام، النقاط الأساسية حول "قوة الاستقرار".

موضوعات مقترحة

 ما هي الأهداف الرئيسية لنشر قوة دولية في قطاع غزة؟ هل تهدف فقط إلى الحفاظ على الأمن؟

 فكرة القوة الدولية في غزة تندرج في إطار المرحلة الثانية من عملية ما بعد الحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة. وهي تهدف إلى استقرار الوضع، لكن طبيعتها الدقيقة لا تزال غير محددة. وهذا أحد المحاور المركزية في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ. بل هو النقطة الأهم والأكثر تعقيداً في الانتقال بين المرحلة الأولى والثانية، لأنها المهمة الأصعب التي ستواجه جميع الأطراف. وحتى الآن، لم يتم بعد تحديد الملامح الدقيقة لهذه القوة. لم تُكشف أي معلومات رسمية عن تشكيلها أو مهامها أو تسلسلها القيادي أو شرعيتها القانونية أو مدة تفويضها.

في الواقع، لا يستطيع أي طرف حتى اليوم تقديم رؤية كاملة أو نهائية حول هذا المشروع. التقدم الملموس الوحيد يتمثل في أن المشروع الأولي كان ينص على قوة تحت إشراف أمريكي-إسرائيلي. لكن هذه الفكرة أثارت تحفظات من قبل الوسطاء، وخاصة مصر، التي أصرت على ضرورة أن تحظى هذه القوة بغطاء وشرعية دوليين. لذلك مارست مصر ضغطاً قوياً في هذا الاتجاه، مما دفع الولايات المتحدة إلى نقل المقترح إلى مجلس الأمن الدولي للحصول على قرار يمنح هذه القوة شرعية دولية. هذه هي الخطوة الملموسة الوحيدة التي تحققت حتى الآن، أما بقية القضايا فما تزال مفتوحة تماماً، ولا يوجد أي طرف لديه إجابات واضحة بعد.

كيف يمكن ضمان أن تكون هذه القوة أداة استقرار وليس وسيلة لفرض وصاية سياسية جديدة على الأراضي؟

— إذا أتي التفويض من الأمم المتحدة، فهناك خياران قيد الدراسة: إما قوة تُمنح تفويضاً بموجب قرار من مجلس الأمن، أو قوة توضع مباشرة تحت سلطة الأمم المتحدة. ولكن، حتى الآن، ما زال مجلس الأمن يناقش هذه النقطة، والسؤال الجوهري لم يُحسم بعد: هل ستكون قوة مراقبة وحفظ سلام أم قوة فرض سلام؟

وما الفرق؟

— إنهما مفهومان مختلفان تماماً: فالقوة التابعة لحفظ السلام تندرج ضمن الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وهي قوة غير هجومية، تقوم بالمراقبة فقط. ترصد الانتهاكات وتقدم تقارير عنها للأمم المتحدة، وتنتهي مهمتها عند هذا الحد، مثل قوة "اليونيفيل" في جنوب لبنان، من دون حق التدخل ضد أي طرف.
أما فرض السلام فيندرج ضمن الفصل السابع، ويعني قوة مسلحة مخولة بالتحرك عسكرياً ضد أي طرف تراه مسؤولاً عن انتهاك السلام. وهنا يكمن أحد أبرز نقاط التوتر وأكثرها إشكالية: الولايات المتحدة وإسرائيل تميلان نحو قوة فرض سلام، وهي مهمة شديدة الحساسية والخطورة، يرفضها الوسطاء العرب لأنها تتجاوز بكثير إطار مهمة الاستقرار. ونظراً لتعقيد الوضع في غزة، التي لا تزال أرضاً محتلة جزئياً من قبل الجيش الإسرائيلي (أكثر من 53% من مساحة غزة)، فمن غير المعقول تخيّل أن تكون هذه القوة قوة فرض سلام. سيكون ذلك بالغ الخطورة، ولن يقبل أي بلد، سواء إقليمي أو دولي، إرسال قواته ضمن هذا الإطار.

إذن، الرؤى مختلفة بين الأطراف؟

— نعم. هناك رؤية الوسطاء، ممثلين بمصر وقطر، ويمكن تسميتها بالرؤية العربية، وهناك الرؤية الأمريكية باعتبارها الشريك الثالث، والرؤية الإسرائيلية. وأخيراً، الرؤية الفلسطينية نفسها منقسمة. لكل طرف تصور خاص حول ما يجب أن تكون عليه هذه القوة، ولهذا يوجد هذا الجمود الحالي. وهذا أحد أكبر العقبات في المرحلة الثانية.
إسرائيل ترغب في أن تتحول هذه القوة إلى أداة تنفّذ أولوياتها الخاصة: نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، خصوصاً حماس، الإشراف على تدمير الأنفاق في غزة، وحماية الأراضي الإسرائيلية من أي تهديد مستقبلي. وهذه رؤية غير مقبولة تماماً وبعيدة كل البعد عن فكرة القوة الدولية المحايدة أو قوة حفظ السلام.
مثل هذه القوة ستعمل في خدمة إسرائيل، كامتداد لجيشها، لأنها ستحوّل المهمة إلى استمرار للاحتلال الإسرائيلي. من الصعب تخيّل أن دولة ما، أيّاً كانت، سترسل قواتها لحماية إسرائيل، إلا إذا وُجد سلام شامل ودائم، تحصل فيه جميع الأطراف على حقوقها على قدم المساواة، مع إعادة فتح الآفاق السياسية، وإحياء عملية التسوية، وتطبيق حل الدولتين، وإعادة الربط بين غزة والضفة الغربية. وهذا يعني أيضاً عودة السلطة الفلسطينية الشرعية، المعترف بها وفق قرارات الشرعية الدولية واتفاقات أوسلو كسلطة حاكمة قانونية.

هل الولايات المتحدة تدعم الرؤية الإسرائيلية؟

— لا، ليس بشكل مباشر. فهي لا تعلن موقفها النهائي بوضوح. إنها تتبع ما يُعرف بـ«استراتيجية الغموض البنّاء»؛ أي تترك لكل طرف أن يطرح مطالبه الخاصة، بينما تحتفظ لنفسها بهامش للمناورة والتحكيم في النهاية.
لكن واشنطن اقتربت في نهاية المطاف من الرؤية المصرية، التي وجّهت تحذيراً واضحاً: من دون شرعية دولية، سيفشل المشروع.

إذن، مصر تدعم قوة حفظ سلام وليس قوة فرض سلام …

— بالطبع، تماماً. قوة استقرار غير هجومية، مفوضة تحت الفصل السادس لضمان حياد القوة وحماية السيادة الفلسطينية. فالرؤية المصرية تريد تجنب أن تُعتبر القوة أداة احتلال أو تدخل.

وماذا عن الموقف الفلسطيني؟

— الفلسطينيون للأسف منقسمون. ففصائل قطاع غزة، وخاصة حماس والجهاد، ترفض أي قوة تُعتبر أداة للتدخل الأجنبي أو نزع السلاح بالقوة. إنهم يرفضون وجود أي قوة أجنبية ويريدون أن تتكوّن القوة من فلسطينيين فقط.
أما السلطة الفلسطينية، فهي أكثر انفتاحاً على فكرة قوة دولية للاستقرار، بشرط أن تسهم في عودة الحكم الشرعي للسلطة الفلسطينية إلى غزة.
هذا الانقسام الداخلي الفلسطيني يزيد من صعوبة التوصل إلى توافق حول المشروع.

نقلا عن الأهرام أبدو

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: