هي نموذج متفرد من النساء، قد لا يجود الزمان بمثله، إيمانٌ راسخٌ، وعزيمةٌ لا تلين، شجاعةٌ وثبات.
هاجر عليها السلام، أميرةٌ مصريةٌ، كانت هديةَ مصر للعروبة كلها، هي زوجُ النبي، وأمُّ النبي، وأمُّ العرب جميعًا، ومن أراد من بني العرب، أن يفاخر حقًا، فليفاخر بجدته الأميرة المصرية، ذات الأصل الرفيع، والنسب الحسيب.
الأميرة هاجر، من الكنعانيين أو العماليق (ابن كثير في البداية والنهاية). ولدت بالفرما (بالقرب من بورسعيد الآن)، وقيل بالنوبة. أهداها ملكُ مصر، لأبي الأنبياء إبراهيم، عليه السلام، عند قدومه إليها، بعد تركه بلاد النمروذ الطاغية، ومعه زوجته، وابنة عمه (سارة)، وابن أخيه لوط، عليه السلام.
وكانت الهدية، اعتذارًا من الملك، الذي وضع قانونًا عجيبًا، حين تأتي امرأةٌ إلى بلاده، وهو عدم اغتصاب الأخت، واغتصاب مَنْ سواها، وإن كانت الأم أو الزوجة! فقال لها إبراهيم: واللهِ ما عرفتُ غيري وغيرك يعبد الله، في هذه الأرض، فأنتِ أختي في الله، إن سألوكِ عني، فأخبريهم أنكِ أختي، لا زوجتي.
أخبر الجواسيس الملك، بقدوم امرأة، شديدةِ الجمال، لا تصلح إلا للملك! فاستوقف الحراس سارة، وذهبوا بها للملك، وأخبرته بأنها أختٌ لإبراهيم. لكن، وكعادة الجبابرة، بدَّل الملك القانون! وأراد بها سوءًا، فنهرته، ودعت عليه، فشُلَّت يده، مرةً ومرتين وثلاث مرات، فتوسل إليها، أن تسامحه ولا يعود، ففعلت، وتاب وأناب.
قيل في اسمها هاجر، بالهيروغليفية (ها) زهرة، و(جر) اللوتس، أي زهرةُ اللوتس، وقيل التي تجر ثيابها، من الجمال والإمارة.
علمت سارة، بدعاء إبراهيم، عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ}.. وتأملت سنين عمرها، وبأنها أصبحت عجوزًا عقيمًا: {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ}..
تجردت سارة من غيرة الزوجة، وصَفَتْ نفسها، وقالت لزوجها: هذه هاجر، خذها زوجةً لك، لعل الله أن يرزقك منها الولد، وقد كان.
وهُنا نحذر من الروايات المغلوطة الباطلة، والتي أخطأت في هذا الشأن، مرتين، مرةً لما قالت: إن هاجر كانت جاريةً! فقد كانت أميرةً، ذاتَ أصل ونسب، ومعاذ الله أن تكون زوجةُ الخليل، أمُّ إسماعيل، أمُّ العرب، مجردَ جارية! والثانية، لما قالت: إن سارة غارت من هاجر وولدها، وطلبت من إبراهيم، أن يُغادرا فورًا! فلقد كانت سارة تقيةً نقيةً، تربت في مدرسة إبراهيم، الذي كان وحده أمةً قائمةً، ونشأت في كنفه، نشأةَ الأصفياء، وهي صاحبةُ المشورة عليه أصلًا، بالزواج من هاجر، فكيف يقسو قلبها هكذا، على أمٍ ورضيعها؟! سارة كانت أعظم إيمانًا، وأكثر شموخًا وعزًا، من تلك الأباطيل.
لكنَّ الحقيقة، أن المغادرة كانت أمرًا من الله تعالى لإبراهيم، بنقلها إلى مكة، لتنتهي القصة الأصغر، وتبدأ القصة الأكبر والأعظم، قصةُ اليقين الكامل، والإيمان الشامل.
ترك الخليل زوجته هاجر، وولدهما إسماعيل، في وادٍ غير ذي زرع! لا حياة، لا ماء، لا شجر، لا نبات، ولا أمان، واستأنف رحلة العودة! أيُّ عودةٍ هذه؟!
إنَّ هاجر جاءت من مصر، أرض الحضارة، بلد الماء والنماء، ثم سكنت الشام، بلد السمن والعسل. أين هي الآن؟!
إنها تخطو خطواتٍ مرتبكةً، تجر قدميها جرًا، مع زوجها العائد منفردًا! تحاول مع كل خطوة، أن تتعرف على المستقبل الغامض، وتفهم ولو قدرًا بسيطًا من ذلك الواقع المرير، فتسأل زوجها، وهي الحبيبة إلى قلبه: آلله أمرك بهذا؟ فيرد عليها: نعم. فتقول: إذن لا يضيعنا، ويودعها زوجها، مأمورًا بذلك، وتعود إلى ولدها، تحت الشجرة الوحيدة، في هذا الوادي.
لم تناقش الزوجة الصالحة زوجها، في عدم معقولية القرار، إنما ناقشته فقط في أمرٍ واحد: أهو قرارٌ من الله؟
ما هذه الثقة العظيمة في الله؟! ما هذه الطاعة الكبيرة للزوج؟! ما هذه الشجاعة النادرة؟! ما هذا الأدب في السؤال؟! ما هذا التحضر في النقاش؟!
مرت الأيام يا هاجر، وكبر ابنك إسماعيل، وبلغ مع أبيه السعي، وقال مثلما قلتِ تمامًا، لما أخبره أبوه بأمر ذبحه: {يَـٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}..
حقًا هو نبي، ابنُ نبي، لكنه أيضًا تربيةُ أمٍ صِدِّيقَةٍ..
هاجر جاءت من حياة متمدنة متحضرة، أهكذا تكون النقلة، بهذه الشدة، وتلك القسوة، ومعهما الرضا الكامل، بأمر الله وإرادته.
طارد الخوف، أمنا العظيمة هاجر، الخوفُ من المعلوم، والخوفُ من المجهول، فالخوفُ من المعلوم، كلنا نعرفه، كالخوف من الحيوانات المفترسة، والخوف من الجوع والعطش، وأما الخوف من المجهول، فهو أشد خطرًا في النفس، من المعلوم.
وتحققت تلك المخاوف، ورفرف الموت بجناحيه عليهما، إذ فُقِدَ الماء، أصلُ الحياة. هاجر لم تشغلها حياتها، بل حياةُ رضيعها، الذي أوشك على الهلاك.
تحركي أيتها الكاميرات، وتفننوا، مصوري الدنيا ومخرجيها، في تأصيل هذا المشهد المهيب، وهرولة أمٍ ضعيفةٍ مسكينةٍ، بين جبلين، بحثًا عن شربة ماء! تُبقيهما أحياءً!
لا تحزني يا هاجر، وقري عينًا، سيتفجر الماء فورًا، من تحت أقدام الرضيع، ماءٌ عذبٌ شافٍ، من عين زمزم، وسيبقي إلى قيام الساعة، إكرامًا لكِ.
يضرب أمين الملائكة جبريل، عليه السلام، الأرض، حتى نبع ماء زمزم المبارك. ومن شدة فرح هاجر، أخذت تحبس الماء، وتزمّه وتجمعه بيديها، وتقول: زم زم! أي توقف كي لا يضيع وينفذ (ذكاءٌ وحسنُ إدارةٍ للموارد). ولولا قولها هذا، لأصبحت زمزم، نهرًا جاريًا! وراحت تغرف منه في سِقائها، فشربت منه، ودُرَّ لبنها، وأرضعت ولدها.
أما هذا الرعب، وتلك الهرولة، فستكون ركنًا ركينًا للفريضة العظيمة، وهي الحج، وسيأتي الناس، من شتى بقاع الدنيا، مُقلدين لكِ، لا يتم حجهم، إلا بهذا التقليد، وتلك المحاكاة، فالسعي بين الجبلين، سبع مرات، تمامًا مثلما فعلتِ، ثم الشرب من ماء زمزم، الذي تفجر تخليدًا لكِ، ورحمةً بكِ، وبابنكِ النبي البار.
أيتها الأمهات الباحثات عن الخلود، نقدم لكم، الصِّدِّيقَةَ الربانية "هاجر المصرية" التي جعلت بيننا وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رحمًا ونسبًا.
هاجر المصرية، أميرةٌ نبيلةٌ، تقيةٌ نقيةٌ، صابرةٌ محتسبةٌ.
شرفٌ عظيمٌ للعرب، أن تكوني أمًا لكل العرب.