البحث عن «لكن».. مقالٌ عن المتحف!

12-11-2025 | 13:51

يجلس الكاتب أحيانًا للكتابة بيد مرتعشة، ليس خوفًا من أحد إلا نفسه؛ يراجع عقله، يعاتبه، يقول له: أتريدني أن أكتب ضد حرية البشر في أن يُبدوا آراءهم وأنت من دفعتني دومًا إلى إعلاء لواء الحرية؟!

وبينما يستعد للانصراف عن الموضوع كله؛ يجد نفسه أخيرًا يخضع لسلطان العقل؛ يقرر الكتابة، وإن دفع في سبيل ذلك الثمن، وما أفدح ما يُدفع من أثمان في زمن وسائل التواصل الاجتماعي؛ «السوشيال ميديا»، التي أتاحت الحرية للجميع بشكل مطلق. ومن هنا ينفذ العقل. يقول: ألست حرًّا كذلك مثل الجميع في أن تكتب رأيك؟! اكتب. قل. عبّر واشتبك.

سعدتُ مثل الأغلبية الكاسحة من المصريين بالنبأ العظيم، المتمثل في الإعلان عن افتتاح المتحف المصري الكبير يوم السبت الأول من نوفمبر. تلقيتُ من أصدقائي صورًا لي بالزي الفرعوني مصنوعة بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كتلك الصور التي أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي، تعبيرًا عن الفرحة والزهو والفخر.

قبل الحفل، كان ذلك هو الحال. وفي تمام السابعة من مساء السبت جلستُ مثل أغلبية الناس أتابع الحدث الكبير. انتهى الحفل في التاسعة، وبعدها فتحت موقع فيسبوك للتصفح، ومن هنا جاءت البداية.

على مدى ثلاث ساعات حتى منتصف الليل، أستطيع أن أجزم أنني شاهدتُ بعيني تتابع موجات انتقاد الحفل وهي تعلو شيئًا فشيئًا بالتدريج، منذ بدايتها في صورة «بوستات» قصيرة معبرة عن صدمة التوقعات، ثم تحولها إلى تحليلات تفصيلية غاضبة، حول الإخراج والموسيقى والفنانين المشاركين وغيرها من عناصر الاحتفال، وصولًا إلى السخرية باستخدام صور من الأفلام مما يُسمى في السوشيال ميديا «كوميكس»، مع انتشار علامات وتعليقات الـ«هاهاها» الضاحكة.

أتحسس الآن، بينما أكتب لك، كلماتي جيدًا، وأكرر: ليس خوفًا من أحد، إنما تحريًا للصدق. وأقول: خلال الحفل لفتت نظري أشياء غائبة، افتقدتُ وجودها ليكون الحدث جاذبًا للجماهير بشكل أكبر، لكنني قررت النظر إلى الصورة الكلية للمناسبة؛ معناها ودلالتها وأبعادها، وقد وجدتُ الصورة مبهرة.

هذا رأيي. والكل في رأيه حر. أؤمن بحرية الإنسان بحق، غير أن السؤال الكبير الذي استوقفني أمام موجات النقد العالية هو: لماذا نضيع فرحتنا العارمة السابقة، بمعانيها العميقة وفوائدها الكبيرة، بكل هذه السهولة؟! أكان الحفل سيئًا إلى هذا الحد؟! ولمراعاة كل وجهات النظر المتنوعة، بما فيها الإشادة والانبهار، لا بد أيضًا أن نسأل: أكان الحفل سيئًا من الأصل؟!
وللتوضيح أقول: لا تحمل هذه التساؤلات أي اتهامات مبطنة. لا تخوين عندي أو تشكيك في أحد. كارِهُو الحفل والمناسبة والتاريخ والثقافة والبلد كلها، قبل الافتتاح وبعده، معروفون مسبقًا، وهم في حديثي هذا خارج المعادلة، إنما أتحدث عن أولئك المصريين عاشِقِي هذا الوطن، الذين فرحوا واحتفلوا قبل حفل الافتتاح أصلًا، ماذا دفعهم إلى هذه الدرجة من حدة النقد؟! لا أتهمهم بشيء، ولا أسعى إلى انتقاص حريتهم في القول، لكنني أفكر وأحلل باحثًا عن السبب.

للفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596- 1650) كتاب شهير بعنوان «مقال عن المنهج»، وباقي العنوان الذي لم يشتهر كثيرًا لطوله هو: «لِحُسن قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم»، وقد اخترتُ الشق الثاني من عنوان هذا المقال مستلهمًا عنوان الكتاب ليكون: «مقال عن المتحف»، بحثًا عن الحقيقة، وفحصًا للسبب المؤدي إلى هذه الحالة، في التحول السريع من الاحتفاء الكبير إلى النقد الحاد.

السبب في رأيي هو «المنهج». إذ يفرض الوسيط الحامل للرأي «منهجه» في التفكير، ثم التعبير بالتالي. هذا الوسيط هو وسائل التواصل الاجتماعي. إنها السوشيال ميديا التي كثيرًا ما تقودنا، بمن فينا أعقل من فينا، إلى التفكير وفق منهجها، القائم على الحرية الكاملة، المطلقة، وإمكانية التعبير - في الحال- عن كل ما يجول في العقل، وإن يكن بذرة فكرة، وربما بأقصر جملة، لتعمل بعدئذ هذه مع مثيلاتها التي تتناثر سريعًا على السوشيال ميديا، كالأواني المستطرقة، يغذي بعضها بعضًا فتعلو الموجة، ثم تتوالى الموجات متتابعة.
لعلك الآن تتهمني في داخلك بمحاولة الحد من حريتك، أو السعي إلى استصغار أفكارك. أبدًا. ليس هذا هو الهدف. إنما هي قراءة في المنهج، الذي يفرضه الوسيط عليك وعليّ. فالحرية الفردية المطلقة والتنافس في جذب التأييد؛ «اللايكات والشير والقلوب»، لآرائنا التي نؤمن حقًّا بها ولا نفتعلها، تقودنا جميعًا وإن نكن كُتَّابًا وصحفيين أو أدباء ومفكرين إلى أن ننزل الملعب، لنخوض السباق الكبير على السوشيال ميديا، وننافس «الأفراد» الأحرار بشكل مطلق في سلوكهم، لتنساق عقولنا إلى ساحتهم تحت مظلة ذات «المنهج»، دون ضبط للغة أو رؤية عقلية أعمق تراعي تأثير الكلمة في الصورة الكلية.

هناك فرق دائم بين الفرد والمؤسسة. والكاتب أو المفكر مؤسسة عقلية بذاته، أو نتاج مؤسسة علمية أو ثقافية أو صحفية تغذيه بقواعد التفكير، لا تحد من حريته في القول، إلا أنها تضبط الفكر والتعبير معًا لديه، تُعلمه منهجًا مختلفًا يمكن تسميته: منهج «لكن».

«لكن»؛ منهج آخر أعمق وأشمل من منهج السوشيال ميديا، في طريقة التفكير أولًا، ثم التعبير ثانيًا. هو منهج مؤسسي يختلف عن سلوك الأفراد. ولذلك كنا نجد مثلًا في عصور سابقة صحف أحزاب المعارضة كـ«الأهالي» و«الأحرار» وغيرهما تنبري في النقد الحاد لوقائع وقرارات حكومية كثيرة لكن في الأحداث الوطنية الكبرى كانت تتبنى خطابًا مختلفًا، مؤيدًا محتفيًا، معتبرة من منظورها أن الحدث يخص مصر الوطن، مما يستلزم الضبط؛ ضبط الفكر والخطاب معًا.

أرى، والحرية مكفولة لكل رأي على السوشيال ميديا، أن تطبيق منهج «لكن» على حدث افتتاح المتحف المصري الكبير كان سيقود العقلاء المفكرين، بعيدًا عن سلوك الأفراد، إلى خطاب مختلف، لا يحد من حريتهم إنما... تعال نجرب معًا. تعال نحاول تطبيق المنهج. فنفترض خطاب هؤلاء العقلاء مما كان يمكن أن يضبط بالتالي خطاب الأفراد...

«كانت الموسيقى كذا. كان إخراج الحفل كذا وكذا. كان ينبغي تعريف المشاهد بأسماء الضيوف. لم يكن ظهور النجم الفلاني أو النجمة الفلانية محببًا. لم لم لم. وكان ينبغي أن... (لكن) كان الحدث ككل مشرفًا. نقلَ صورة ناصعة لمصر أشاد بها العرب والأجانب. انبهروا بحضارتنا وعبروا عن ذلك بزهو في بلادهم. لم يقع حدث أمني واحد يعكر الصفو. ننتظر الأفضل دائمًا ونتمنى الخير لمصر».

أخيرًا أقول. إنني لا أزايد على أحد. ولا أتهم بشيء. بل إنني لا أدعو أحدًا إلى أي شيء. إنما هي فقط محاولة للفكر والسؤال والتأمل. مع إعجاب أيضًا بقدرة «الأفراد» على النقد والكلام وإن يكن دون ضبط أو معيار. فتلك هي الحرية، والديمقراطية؛ تصيب وتخطئ، ثم تصحح نفسها وإن يكن بعد مئة عام.

ولذلك؛ أختم بكلام ديكارت في «مقال عن المنهج»، عندما نصح الإنسان عمومًا بالسير بخطى بطيئة في مسعاه نحو الطريق الصحيح، ليسبق أولئك الذين يَعْدُون جريًا مبتعدين عنه، قائلًا: «ولما نظرتُ بعين الفيلسوف إلى فِعال الناس، ومقاصدهم، لم يكد يظهر لي أن شيئًا منها عبثٌ وعديم النفع، على أن التقدم الذي أظنني تقدمتُه في البحث عن الحقيقة، قد بلغ بي غاية الرضا، ومهَّد لي في المستقبل آمالًا تجعلني أرى أنه إذا كان من مشاغل الناس ما هو خيرٌ وذو خطر، فلي أن أجرؤ على القول بأنه هو العمل الذي تخيَّرته». انتهى كلام ديكارت. أما أنا فلا أنصح أحدًا، بل أفكر - بصوت مكتوب- مع العقلاء فقط.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: