كانت المدارس دومًا مرآة المجتمع ومختبرًا لبناء الشخصيات، لكن في السنوات الأخيرة شهدنا تغيّرًا مقلقًا: تصاعد حالات العنف داخل المدارس وانتقالها إلى مراحل عمرية صغيرة - رياض الأطفال والابتدائي-؛ حيث لا مكان لمثل هذا السلوك.
موضوعات مقترحة
أصبح المجتمع يتساءل لماذا صار تلميذ المرحلة الابتدائية يهاجم زميله بضراوة؟ هل فشلت الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم أن هناك عوامل جديدة تسللت إلى عالم الطفولة وصنعت جيلًا يغضب سريعًا ولا يملك أدوات التصرف السليم أمام الضغوط؟
تشير تقارير مرصد الأزهر إلى أن أكثر من 70% من أطفال مصر يتعرضون للتنمر والعنف داخل المدارس، وهي نسبة صادمة تكشف حجم الخطر الذي يهدد الأجيال الصغيرة. فبعد أن كانت مشاهد العنف تقتصر على طلاب الثانوية، أصبحت اليوم تشمل تلاميذ الابتدائي، بل ورياض الأطفال، في تحول خطير يستدعي الوقوف أمام أسبابه الحقيقية.
في السطور التالية تعرض "بوابة الأهرام" أبرز الأسباب والآراء حول جذور المشكلة الاجتماعية والنفسية و تأثير الإعلام والتكنولوجيا، و دور الأسرة والمعلم والإدارة و جدلية العقاب مقابل التأهيل وكيف يمكن إعادة تأهيل الطفل المتعرض أو الممارس للعنف؟
التكنولوجيا تعيد تشكيل سلوك الأطفال
تؤكد الدكتورة بثينة عبد الرؤوف أن العنف المدرسي لم يعد ظاهرة محصورة في فئة عمرية أو اجتماعية بعينها، بل أصبح سلوكًا متكررًا في مدارس مختلفة المستويات.
وترى أن التكنولوجيا الحديثة والمحتوى العنيف في الألعاب والفيديوهات جعل الأطفال يتعاملون مع العنف كتصرف طبيعي.
الأخطر -كما تقول- أن بعض أولياء الأمور أصبحوا جزءًا من المشكلة دون قصد؛ إذ يشاهدون الفيديوهات العنيفة أمام أبنائهم أو يتركونهم ساعات طويلة أمام الشاشات دون رقابة أو توجيه، مما يجعل الطفل يكتسب سلوكيات عدوانية مبكرًا ويحول ما يشاهده إلى ممارسات واقعية داخل المدرسة.
بين الفقر والثراء..العنف لا يفرّق
توضح عبد الرؤوف أن العنف المدرسي لم يعد حكرًا على المدارس الحكومية، بل امتد إلى المدارس الخاصة والدولية أيضًا.
وتؤكد أن السبب الحقيقي ليس اقتصاديًا بل تربوي بالأساس، فضعف التربية القيمية وغياب المتابعة من الأسرة جعلا الطفل يعيش في عالم افتراضي مليء بالعنف دون توجيه أو توازن.
الدكتورة بثينة عبد الرؤوف
المدرسة.. حضور شكلي وغياب فعلي للدعم النفسي
تقول عبد الرؤوف إن المدرسة نفسها أصبحت بيئة غير مهيأة نفسيًا وتربويًا.
ففي ظل نقص المعلمين واعتماد بعض المدارس على نظام "العمل بالحصة"، تحوّلت العلاقة بين الطالب والمعلم إلى علاقة مصلحية، لا تربوية.
كما أن الفصول المزدحمة وغياب التدريب التربوي جعل كثيرًا من المعلمين يفتقدون مهارات التعامل النفسي مع الأطفال، خصوصًا في المراحل الأولى التي تحتاج إلى صبر ووعي عميق.
ورغم إلزام اللوائح بوجود أخصائيين اجتماعيين ونفسيين، إلا أن الواقع يقول غير ذلك. ففي مدارس تضم عشرات الفصول، يتولى أخصائي واحد جميع المهام، مما يجعله غير قادر على أداء دوره الحقيقي. وغالبًا ما يُكلف بمهام ثانوية، فتغيب الحصص الإرشادية والدعم النفسي الحقيقي للطلاب.
اقرأ أيضا:
استشاري نفسي يحذر من مخاطر التنمر والعنف المدرسي على الأطفال
دار الإفتاء تواصل جهودها لمواجهة "العنف المدرسي" عبر مجالس دعوية وإفتائية بالمحافظات |صور
الإعلام يصنع البلطجي بطلاً
ومن جانبه، يؤكد الدكتور علاء الغندور، استشاري الصحة النفسية، أنه لا يمكن تجاهل دور الإعلام في تكوين السلوك العدواني لدى الأطفال.
فالكثير من المسلسلات والأفلام تُظهر المجرم أو البلطجي في صورة البطل القوي، بينما تضعف من صورة الملتزم بالقانون.
وحين يرى الطفل هذا النموذج يوميًا، يتشبع بفكرة أن القوة والعنف طريق إلى الاحترام والهيبة، فيبدأ في تقليده داخل مدرسته ومجتمعه الصغير.
العنف المدرسي
حين يتحول الضحية إلى جاني
يشير الغندور إلى أن الطفل الذي يتعرض للعنف قد يتحول بدوره إلى شخص عنيف، لا بدافع الشر، بل بدافع الانتقام.
فما إن يشعر بالعجز أمام زميل أكبر منه، حتى يسعى إلى تفريغ غضبه في طفل أصغر أو أضعف. وهكذا تستمر دائرة العنف بلا توقف، مولدة أجيالًا تحمل مشاعر الغضب بدلًا من قيم التعاون والاحترام.
التأهيل النفسي قبل العقاب
يشدد الغندور على أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يجب أن يعتمد على العقاب وحده، بل على التأهيل النفسي والتربوي أولًا.فالطفل يحتاج إلى من يعيد له ثقته بنفسه ويكتشف مواهبه، ويشعره بأن التفوق العقلي أهم من القوة الجسدية.
كما ينبغي أن يحصل الطفل المتعرض للتنمر على حقه رسميًا داخل المدرسة، وأن يُعاقب المتنمر علنًا لردع الآخرين.
أما الطفل المتنمر نفسه، فيجب أن يخضع لتأهيل نفسي وسلوكي أولًا، وإن لم يستجب، يمكن اللجوء إلى العقوبات التدريجية مثل الفصل المؤقت ثم النهائي.
العنف المدرسي
مواجهة الظاهرة مسؤولية مشتركة
العنف المدرسي لم يعد مجرد سلوك فردي، بل مشكلة مجتمعية متشابكة.فعندما تغيب الأسرة عن المتابعة، وتتراجع المدرسة عن دورها التربوي، وتُسهم الدراما في تمجيد العنف، يصبح الطفل ضحية لهذه المنظومة بأكملها.
إن مواجهة الظاهرة لا تتطلب فقط لوائح وعقوبات، بل ثورة تربوية وإعلامية شاملة تعيد بناء الإنسان من جديد.
فالمدرسة ليست مكانًا للتلقين فقط، بل المعمل الأول لتشكيل العقول والقلوب، وإذا فشلنا في حمايتها من العنف، فلن يكون المستقبل أكثر أمنًا.
الدكتور علاء الغندور استشاري التأهيل النفسي والسلوكي
موضوعات قد تهمك:
انتخابات مجلس النواب 2025.. المرأة المصرية حائط صد وطني وشريك في بناء المستقبل
كيف تعرف أن طفلك يتعرض للتنمر؟.. العلامات المبكرة وطرق الحماية