جرت الانتخابات العراقية بهدوء رغم صخب الحملات الانتخابية، وشراسة التنافس. لقد شهدت مدن العراق انتخابات هي الأهم منذ 2005، ورغم ذلك دون أي إجراءات غير عادية، أو إغلاق للطرق، ولم تُسجل خروقات أمنية كبيرة، ولكن الإقبال على الانتخابات فاق التوقعات إذ تجاوزت نسبة المشاركة أكثر من 55%.
وفي الوقت نفسه فإن تحالف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، من المرجح أن يخرج من هذه المعركة الانتخابية الشرسة، بوصفه "الرابح الأكبر".
ورغم ذلك فإن السوداني سوف يواجه تحديات كبرى في تأمين أغلبية لتشكيل الحكومة، ومواجهة تطلعات العراقيين في حياة أفضل، والتصدي للفساد، ورغبة بعض القوى السياسية القوية في عدم فوزه بولاية ثانية، وتجاذبات واشنطن وطهران على الفوز بالعراق الجديد. ولا تخفي تركيا، ودول الخليج، ومصر، والأردن، رغبتها في تعزيز مصالحها في العراق. وعلى الأرجح أن معركة "أين يذهب العراق الجديد؟" سوف تبدأ بقوة من الآن.
ولقد جرت الانتخابات على جميع مقاعد البرلمان البالغ عددها 329 مقعدًا، ويُنظر إلى ائتلاف السوداني لإعادة الإعمار والتنمية على أنه المرشح الأوفر حظًّا، مستفيدًا من الإصلاحات في البنية التحتية والتحسن النسبي في الاستقرار منذ 2022.
إلا أن المنافسة ستشتد مع الإطار التنسيقي بقيادة نوري المالكي، الذي يسعى لاستعادة النفوذ، ومنع السوداني من ولاية ثانية.
وبحسب عباس العنبوري، رئيس مركز رواق للسياسات العامة، قد يحصل ائتلاف السوداني على نحو ستين مقعدًا، مقابل أكثر من ثلاثين مقعدًا للمالكي، مع صعوبة في ضمان استمرار السوداني في منصبه بسبب معارضة غالبية أعضاء الإطار التنسيقي.
ويوضح الصديق د. علاء حميد، عضو مجلس إدارة مركز رواق للسياسات العامة بالعراق، نقطة مهمة تتعلق بالفرق ما بين الرغبة والقدرة في تشكيل الحكومة المقبلة، ويشير إلى أن السوداني يحتاج إلى 165 مقعدًا لتشكيل حكومة، وهو ما قد يدفعه للبحث عن تحالفات مع الكتل السنية، والكردية المعتدلة مثل تحالف قوى الدولة الوطنية بقيادة عمار الحكيم.
ويقول د. علاء حميد الباحث البارز، إن الانقسامات داخل الإطار التنسيقي الشيعي، تمنح السوداني فرصة لبناء تحالفات أكثر اعتدالًا؛ ما يفتح الباب أمام استمرارية سياساته.
ويقول حميد إنه من المؤكد أن نتائج الانتخابات سوف تضع نفوذ الدول الإقليمية على المحك، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصور خسارة العلاقة الإيرانية العراقية بصورة كاملة، وأقصى ما يمكن توقعه هو انتقال بطيء ومؤلم من "العلاقة الخاصة" إلى "علاقة طبيعية" بين إيران والعراق. ومن أجل الوصول لمرحلة الوضع الطبيعي، تحتاج كل من بغداد وطهران التحول لحالة الاستقرار.
وفي الوقت ذاته تحتاج إيران والعراق لإعادة صياغة مشتركة لشكل علاقاتهما، والأهم "قرار استراتيجي" بأن الأمور لا يمكن أن تمضي كالمعتاد. وأغلب الظن أن إيران لا يمكنها الاستغناء عن العراق، ولكن في المقابل هناك أطراف عدة لن تترك بغداد لطهران وحدها. وهنا يمكن القول أن الخليج والدول العربية لن تترك مهمة عودة بغداد للحضن العربي بأي ثمن، وهناك الولايات المتحدة وتركيا وروسيا والصين لهم مصالح، وفي المقابل إسرائيل لديها مخاوف من تدخل العراق بنشاط في أي مواجهة مقبلة بين دولة الاحتلال وإيران.
وفي الوقت نفسه تواجه المصالح التركية في بغداد أول اختبار جدي منذ تعزيز العلاقات مع حكومة السوداني، خاصة فيما يتعلق باستمرار اتفاقيات تقاسم المياه، والتنسيق الأمني الذي وصل إلى ذروته بين أنقرة وبغداد خلال السنوات الأخيرة، بحسب موقع "المونيتور" الأمريكي.
ولقد برزت تركيا كفاعل هادئ خلال العملية الانتخابية، تسعى من خلاله للحفاظ على الزخم الإيجابي الذي تحقق مع السوداني، وإنهاء سنوات من الخلافات بشأن العمليات العسكرية التركية ضد المسلحين الأكراد في شمال العراق. وتظل أنقرة تأمل في أن توفر الحكومة المقبلة، بغض النظر عن تكوينها، استمرارية في المسار الحالي للتعاون الثنائي.
وتبرز مصالح تركيا في بغداد من خلال ملفين رئيسيين: الأمن وتقاسم المياه. فقد حظر العراق حزب العمال الكردستاني (PKK) في مارس 2024 تلبيةً لمطالب تركيا، فيما يسعى الحزب حاليًّا لنزع سلاحه وحل نفسه ضمن محادثات السلام الجارية.
وفيما يتعلق بالمياه، توصل الطرفان إلى اتفاقية إطارية خلال زيارة الرئيس أردوغان لبغداد في أبريل 2024، تم تمويلها جزئيًّا من عائدات صادرات النفط العراقي، لدعم مشاريع البنية التحتية المائية التي تبنيها تركيا في العراق.
وقد ساهم هذا الاتفاق في التخفيف من التوترات، خاصة في جنوب العراق، حيث هددت الاحتجاجات حول نقص المياه شعبية السوداني قبل الانتخابات.
ومن ناحية أخرى تلعب الديناميات الإقليمية دورًا مهمًا في الحياة السياسية العراقية، وذلك من خلال علاقاتها مع القوى العراقية الفاعلة في المشهد. وتمتلك تركيا وإيران علاقات مع أكبر قوتين كرديتين هما مسعود برزاني في أربيل الذي يميل لتركيا، وبافل طالباني في السليمانية الذي يميل لطهران.
وتلعب الأحزاب الكردية دورًا مهمًا في تشكيل الحكومة، إذ يعتمد اختيار رئيس العراق على توافق الكتل الكردية، بينما يكلف الرئيس عادةً مرشح أكبر كتلة شيعية بتشكيل الحكومة.
وتميل تركيا إلى دعم الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة بارزاني، الأقرب لأنقرة في التعاون التجاري والأمني، لكن العلاقات مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني تحسنت مؤخرًا بعد استئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى السليمانية.
وبالمثل، تتسم الكتل السنية بالانقسامات؛ ما يجعل عملية تشكيل الحكومة معقدة، لكنها أيضًا تتيح فرصة للائتلافات المعتدلة لتجاوز الانقسامات الطائفية والفئوية، وبالتالي تعزيز استقرار السياسة العراقية على المدى الطويل.
كما تسعى الحكومة العراقية لتطوير مشروع طريق التنمية الذي يربط الموانئ الجنوبية للعراق بالخليج بأوروبا عبر تركيا؛ ما يعزز الروابط الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين.
ويخلص عباس العنبوري إلى أن البرلمان المقبل سيحافظ على موقفه الإيجابي تجاه تركيا، مع استمرار الأولوية للقضيتين الرئيسيتين: المياه ووضع القوات التركية على الأراضي العراقية.
ويؤكد دومان أن هذا المسار سيستمر بغض النظر عن نتائج الانتخابات، حيث أصبحت العلاقات التركية العراقية مؤسسية إلى حد يسمح بالتعاون حتى مع رئيس وزراء مثل نوري المالكي، الذي كانت أنقرة قد انتقدته سابقًا بسبب سياساته الطائفية تجاه السنة العراقيين. وبذلك، تظل أنقرة حليفًا استراتيجيًّا للعراق بغض النظر عن نتائج الانتخابات.
ويبقى أن العراق بقيادة السوداني شهد مسارًا تدريجيًّا نحو الاستقرار السياسي والاقتصادي، وإطلاق مشاريع تنموية إستراتيجية مثل مشروع "طريق التنمية"، الذي يهدف إلى تعزيز التكامل الإقليمي، وتوسيع مجالات التعاون الدبلوماسي مع الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، وتطورًا في علاقاته الخارجية.
وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة انتقال العراق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي، ورغبة حقيقية من السوداني في ترسيخ مفهوم الدولة المتوازنة.
وأحسب أن إيران سوف تقاتل بضراوة دفاعًا عن مصالحها، ولكن بقية الأطراف الإقليمية والدولية لها مصالح حيوية في العراق، والعراق الجديد نفسه بات يتطلع إلى عالم أرحب من إيران.
وأغلب الظن أن السوداني تنتظره تحديات جمة ما بين تطلعات الداخل وتجاذبات الخارج، وأحسب أن عراق ما بعد الانتخابات سوف يعيد ترتيب الأوراق في المنطقة.