الكون ينتصر لممداني

12-11-2025 | 12:21

لم يَأْبَ هذا العام أن يرحل قبل أن يُهدينا الكون إحدى معجزاته؛ في زمن عزت فيه المعجزات. فها هو يمنحنا فوزًا استثنائيًّا يفيض عزيمةً وإصرارًا وشجاعةً، كأنه نور انبثق من بين العتمة. في لحظة تحدي المستحيل، وقف الشاب الرائع زهران ممداني شامخًا في وجه العواصف، رغم الحرب التي طالته، ورغم الأموال التي أُنفقت لإسقاطه، ليصنع التاريخ ويصبح أول مسلم يترأس أكبر مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية: نيويورك، تلك المدينة الصاخبة.

كأن الكون بأسره تحالف معه، لم يكن فوزه مجرد انتصار انتخابي، بل لحظة إنسانية نادرة أعادت إلى القلوب يقينها بأن الأمل وعدالة الحلم ممكنان.

تحدث عن السكن والتعليم والمواصلات، كقصص إنسانية تعبِّر عن وجع المدينة وتطلعها للحياة الأفضل.

كان مؤمنًا بأن العدالة ليست شعارًا انتخابيًّا، بل مسئولية أخلاقية، وأن القيادة لا تُقاس بعدد الوعود، بل بقدرة القائد على أن يرى الضعفاء قبل الأقوياء، وأن يسمع الهمس قبل التصفيق.

لم تكن رحلة زهران ممداني صاحب الـ34 عامًا سهلة، بل كانت معركة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حرب فكرية وإعلامية شرسة شُنَّت عليه، حاولت بكل الوسائل أن توقفه عن مواصلة الطريق، لكنه لم يكن ابن التراجع، ولا من أنصاف المواقف. كان مؤمنًا برسالته، يعمل بحب وإخلاص من أجل الطبقات الوسطى والفقراء، أولئك الذين آمنوا به وصدقوه ورفعوه، فكان وفاؤهم له سدًا منيعًا أمام كل المال الذي سُخِّر لإسقاطه. في زمن طغت فيه المصالح على القيم، أثبت زهران أن الصدق والمحبة والإيمان بقضايا المجتمع هي رأس المال الحقيقي.

لم ينس أصوله، ولا والديه اللذين غرسا فيه معنى الكفاح والنزاهة، ولا زوجته التي كانت له سندًا ورفيقة درب في كل مراحل التحدي.

وُلد زهران ممداني في بيئة قد تبدو متواضعة المظاهر، لكنها كانت ثرية بالقيم وبالعلم والفكر والفن. فوالده هو المفكر والأكاديمي البارز محمود ممداني، أستاذ العلوم السياسية والدراسات الإفريقية، وأحد أبرز العقول التي تناولت قضايا ما بعد الاستعمار في إفريقيا والعالم العربي.

من مؤلفاته (المواطن والرعية)، و(عندما يصبح الضحايا قتلة)، و(التعريف والحكم)، وهي كتب شكلت وعي جيل كامل حول العلاقة بين السلطة والهوية والتاريخ، فلا عجب أن ينجح هذا الشاب النجيب.

أما والدته، فهي المخرجة العالمية ميرا ناير، هندية أمريكية، صاحبة أعمال سينمائية تركت أثرًا خالدًا في الذاكرة الإنسانية، قدمت أفلامًا مثل "سلام بومباي"، و"توابل المسيسيبي"، و"زفاف الرياح الموسمية"، واسم المسمى، ورُشحت أعمالها لكبرى الجوائز العالمية مثل "كان" و"الأوسكار" ومهرجان "فينيسيا" الذي فازت فيه بجائزة الأسد الذهبي. هذا المزيج بين الفكر والفن، التحليل والرؤية، شكَّل شخصية زهران، فحمل عن والده عقل الباحث، وعن والدته قلب الفنان.

تربَّى على الكلمة التي يمكن أن تغيِّر، والعدسة التي تُصلح، وأن الإيمان بالإنسان هو الطريق الوحيد للنهضة. لذلك فهو لم يكن سياسيًّا عاديًّا، بل كان ابن مدرسة من القيم والمبادئ لا تُشترى، بل تُورث بالقدوة. كانت رحلته انعكاسًا لهذه البيئة الصالحة.

في أوج انتصاراته بالفوز، كان يقف واثقًا أمام عدسات وتليفزيونات العالم بكل ثقة ورجولة. يهدي نجاحه لوالديه ولزوجته "راما" التي وصفها -باللغة العربية- أنها حياته.

شاهدته كما شاهده العالم كأنه ينادي على والديه فيقول: أنا ابن البطن الذكية التي أنجبتني إلى هذا العالم. أسمعه كأنه يقولها: نعم أنا المسلم الذي فاز في أكبر مدينة يتواجد فيها أكبر العائلات اليهودية الغنية في العالم. كلماته كانت كالزلزال الذي يهز القلوب.

صوت المدينة الصاخبة التي رفعته فوق الأعناق كان رسالة ضمنية عن حاجتهم لإنسان يصدقهم القول والفعل، عن روح تتجاوب مع نبض الحياة اليومية، عن قلب يعرف أن المدينة ليست فقط مجرد اقتصاد أو إدارة، بل مكان أيضًا يعيش فيه الناس، ويحلمون، ويخافون، ويطمحون فيه.

لقد كان ممداني صوت من لا صوت له، حتى صار رمزًا للأمل والإصرار، وأيقونة لقائد مثقف مؤمن تربى على المبادئ والقيم والعدالة. لا ينحني أمام العواصف بسهولة، بل يجعل منها سلمًا نحو تحقيق المستحيل.

ممداني نموذج نادر؛ لأنه لم يفرض رؤيته بالقوة، بل زرعها في النفوس، بالحب واللين والصدق؛ مما أكسبه احترام أصوات ناخبيه.

لم يحمل على كتفيه مجرد مهام يومية، بل حمل روح المدينة نفسها، أحلامها الصغيرة، همومها الخفية، وابتساماتها المفقودة بين صخبها وزحامها.

كلماته التي سبقت خطواته كانت انعكاسًا لإحساسه وقدرته على جعل كل قرار يعكس قيمًا إنسانية ومسئولية، وإيمان بأن القيادة تعني أن ترى ما لا يراه الآخرون، أن تسمع ما لا يقال.

فوزه هو رسالة لكل من يظن أن الحواجز مستحيلة، وأن الاختلاف يمكن أن يكون حاجزًا. فالمدينة التي منحته الفوز لم تفز به؛ لأنه جاء من خلفية دينية أو ثقافية فكرية مختلفة، بل لأنها رأته يقود بحب وإخلاص، بعزم وإيمان، بروح أكبر من أي قيود.

المدينة التي اختارته لم تكن بحاجة إلى قائد "مثالي" أو سياسي، بل إلى إنسان يشعر بالناس، يسمعهم، ويمنحهم الأمل بأنهم مسموعون.

فوز ممداني كان فجرًا جديدًا في عالم مظلم، يقينًا في لحظة شك، وتأكيدًا على أن تكون حاضرًا بروحك قبل جسدك، وأن تجعل الأمل يتنفس بين الناس. رغم الحروب والتعقيدات وسباقات الحياة الشرسة التي تجعلك تظن استحالة الفوز، لكنك تنتصر في النهاية.

هذا الانتصار ليس لممداني فقط، بل لكل إنسان يؤمن بأن القيم يمكن أن تغير العالم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: