حدث في مؤتمر الاتحاد الأوروبي

11-11-2025 | 15:19

في الحرب، تتكشف الأخلاق والمواقف، كما تكشف النار المعادن؛ فكل يوم من الحرب على فلسطين، أو في أوكرانيا، تظهر النوايا وتنكشف الضمائر، وبشكل خاص، عند زوايا الرؤيا ومنظور المعايير لكلا الحربين، ومقارنة إحداهما بالأخرى.

نعلم أن غالبية الحكومات الغربية تنحاز ضد روسيا في حربها على أوكرانيا منذ فبراير 2022، وفي نفس الموقف تدعم هذه الحكومات، دون شعوبها، الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين منذ ثمانين عامًا، بكافة السبل والمساندة، سرًا وعلانية. لكننا لم نتوقع أن يصل هذا الدعم إلى درجة القبح التي تفضح مجددًا المعايير الأوروبية المزدوجة بين ما يحدث في فلسطين وأوكرانيا في وقت واحد، ومدى صمت الاتحاد الأوروبي لما يحدث من إبادة ونسف وحرق وتدمير في قطاع غزة.

يعكس ذلك ما حدث خلال مؤتمر صحفي للمفوضية الأوروبية في بروكسل مؤخرًا، حين سأل الصحفي الإيطالي "جابرييل نونزياتي"، مراسل وكالة أنباء "نوفا" الإيطالية، موجهًا سؤاله للمتحدثة باسم المفوضية الأوروبية "باولا بينهو"، فقال: "ترددون كثيرًا في الاتحاد، ضرورة أن تتكفل روسيا بإعادة إعمار أوكرانيا. لقد قلت أنت، مرارًا وتكرارًا، إن روسيا يجب أن تدفع تكاليف إعادة إعمار أوكرانيا. هل تعتقدين أن إسرائيل يجب أن تدفع أيضًا تكاليف إعادة إعمار غزة، نظرًا لأنها دمرت جزءًا كبيرًا من القطاع وبنيته التحتية المدنية؟".

الإجابة عن السؤال كانت هي إقالة الصحفي الإيطالي غابرييل من عمله بالوكالة، التي يعمل بها مراسلًا مقيمًا لها في بروكسل. نعم، هذا ما حدث بعد المؤتمر الصحفي يوم الثالث عشر من أكتوبر الشهر الماضي، ووصفت الوكالة التي يعمل بها، بأن سؤاله "غير مناسب"، وأن تصريحاته "غير صحيحة من الناحية الفنية"، وأنها تسببت في "إحراج" للوكالة، وأنهت عقده.

لم يرتكب الصحفي فعلًا فاضحًا، وإن اعتبرته المفوضية الأوروبية كذلك، ولم يرتكب خطيئة تستدعي الإقالة الفورية وإنهاء تعاقده ليتم فصله من عمله، فهو لم يأت بجديد، فقط ذكَّر المفوضية ومطالباتها المتكررة لروسيا، بدفع تكلفة وإعادة إعمار أوكرانيا، وأن تطبق هذا التوجه في فلسطين، وتطالب الكيان الصهيوني بإعادة إعمار غزة. سؤال بسيط لا يخلو من البراءة.

إلا أن ما حدث، بعد المؤتمر الصحفي، يعلو على مفهوم "المعايير المزدوجة"، من جانب أوروبا حول موقف الاتحاد الأوروبي بشأن المساءلة والدمار الذي لحق بغزة، حيث تلقي صور الأقمار الصناعية التي التقطها "Planet Labs PBC"، الضوء على حجم الدمار الذي سببه الهجوم الإسرائيلي خلال العامين الماضيين، حيث بلغ الدمار 90% من غزة دمرت 'كليًّا' (كليًّا)، وبالإضافة إلى الضربات المستهدفة على أماكن العبادة والمواقع التراثية والمرافق الرياضية والمدارس والمقابر والبنية التحتية، دمرت إسرائيل أكثر من 94% من الأراضي الزراعية في غزة. ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية "أوتشا"، ومركز الأمم المتحدة الفضائي، ومجموعة المأوى التابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، دمرت إسرائيل وألحقت أضرارًا بـ 92% من الوحدات السكنية داخل غزة، و70% من جميع المباني، وتركت 1.3 مليون من سكان غزة (2.2 مليون نسمة) في حاجة إلى مأوى طارئ.

ودافع "نونزياتي" عن سؤاله عبر إنستغرام، موضحًا أنه يرتكز على حقائق مثل الدمار الواسع النطاق الذي أحدثته ‘إسرائيل’ في غزة وأوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق القادة ‘الإسرائيليين’. فهو يكشف عن نفاق أوروبا وخوفها من الأصوات المعارضة.

الاتحاد الوطني للصحافة الإيطالية "FNSI"، لم يقف صامتًا، فقد أعرب عن دعمه لزميله في بيان له قائلًا: "من غير المقبول أن يكلفه سؤال، مهما كان غير مريح، وظيفته"، مُعلنًا استعداده لدعم "نونزياتي" في أي قرار قد يتخذه لحماية نفسه. أيضًا أعرب المجلس الوطني لنقابة الصحفيين الإيطاليين عن صدمته لما حدث، داعيًا إلى إعادة نونزياتي فورًا إلى منصبه، مُذكِّرًا بأن "دور الصحفي، بغض النظر عن الحماية التعاقدية، هو طرح أسئلة قد تكون غير مريحة أو غير مرحب بها".

أما الاتحاد الدولي للصحفيين "EFJ"، فقد عبَّر عن قلقه لما وصل إليه حال حرية الصحافة في إيطاليا، والتي تتدهور، وقال في بيانه: "إن انتقاد الصحفي لطرحه أسئلة غير مريحة بناءً على معلومات تم التحقق منها والتحقق من صحتها هو أمر صادم للغاية وتجاهل صارخ للمبادئ الأساسية لحرية الصحافة.. نحن ندين بشدة قرار نوفا بإنهاء علاقة العمل مع نونزياتي لمجرد قيامه بعمله، في الوقت الذي تكافح فيه الصحافة من أجل البقاء مستقلة، يجب على غرف الأخبار أن تقف إلى جانب صحفييها، وليس أن تخونهم بسبب قيامهم بواجبهم تجاه الجمهور". نعم.. القيام بواجبهم، وهو ما فعله الصحفي الإيطالي، ولعل تساؤلًا يفرض نفسه: هل حان الوقت لوضع نهاية لظاهرة "طرد" الصحفيين الذين لا يمارسون إلا عملهم فقط، وهو طرح الأسئلة والحصول على معلومات؟

من منطلق التضامن مع قيمة العمل الصحفي، اقترح أن تدعو نقابة الصحفيين الصحفي الإيطالي، تضامنًا معه، ومع حرية حقه المهني في الأساس، ولعل ذلك يسهم في الوصول إلى إجابة عن سؤال الصحفي "نونزياتي"، الذي سيظل دون إجابة، ولكن "إلى حين".

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: