توثيق مدينة منكوبة ببراعة وروح متفائلَة

13-11-2025 | 11:56

في فيلم "الخرطوم"، الذي سيعرض في مهرجان الدوحة السينمائي، يروي خمسة أبطال وأربعة مخرجين قصة مدينة تعج بالحياة؛ لدرجة أن حربًا طويلة وشرسة لم تستطع أن تطفئ نورها.

بدأ صانعو الفيلم العمل على "الخرطوم" قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023. عندما اضطر جميع المشاركين إلى مغادرة السودان قبل الانتهاء من التصوير، اجتمعوا في نيروبي، كينيا، ليجدوا ملاذًا في بعضهم البعض، ويبتكروا طرقًا إبداعية لرواية قصة لا يمكن سردها إلا في المدينة التي تحمل اسمها والتي يعشقونها. هذا الإصرار القوي والأخلاق المهنية الإبداعية تجعل من فيلم "الخرطوم" عملًا يستحق المشاهدة.

الأبطال الخمسة هم: لوكين وويلسون، وهما صبيان في سن ما قبل المراهقة يعملان في جمع الزجاجات لكسب لقمة العيش. 

جواد متطوع في لجنة المقاومة المحلية ضد الديكتاتورية العسكرية. خادم الله، صاحبة كشك شاي من جبال النوبة في غرب السودان، تمكنت من تحويل ركنها الصغير في المدينة إلى واحة للأصدقاء والمارة للتجمع والتخفيف من آلامهم. وهناك أيضًا مجدي، الموظف الحكومي الذي يعيش على راتب من الحكومة القمعية، بينما يتوق إلى الحرية لنفسه والازدهار لعائلته.

يتم تصوير كل من هذه القصص من قبل مخرج مختلف: لوكين وويلسون من قبل راوية الحاج، وجواد من قبل تيمية محمد أحمد، وخادم الله من قبل أنس سعيد، ومجدي من قبل إبراهيم سنوبي. بمجرد إعادة تجمعهم في نيروبي، يلعب كل منهم أدوارًا مختلفة في قصص الآخرين، ليصبحوا مجموعة حقيقية من صانعي الأفلام ومجموعة من النازحين الذين يحاولون بناء مجتمع في أرض غريبة.

في الخرطوم، يتتبع الفيلم الفترة التي تلت الانقلاب العسكري عام 2021 الذي اغتصب ثورة الشعب السلمية التي أنهت 30 عامًا من الديكتاتورية. يتعين على الشخصيات الخمس الرئيسية التعامل مع تضاؤل الأمل في مستقبل أفضل، بينما تشتعل المدينة بالمظاهرات والمسيرات ضد الحكام العسكريين. لم يكن أحد يعلم أن هذا لن يكون الأسوأ. بمجرد اندلاع الحرب بين الميليشيات الحاكمة، يصبح الهروب هو السبيل الوحيد الآمن لصانعي الأفلام وأبطالهم.

في نيروبي، يعيدون تجسيد لحظة بدء الحرب. يعرض ذلك اليوم المشئوم أربع مرات من أربعة وجهات نظر مختلفة. 

لا يكتفي لوكين وويلسون وخادم الله ومجدي وجواد بأداء أدوارهم الخاصة فحسب، بل يؤدون أيضًا أدوارًا في قصص بعضهم البعض. تم تصوير هذه المشاهد أمام شاشة خضراء، مع إضافة مؤثرات بصرية ورسوم متحركة لاحقًا. 

ورغم ذلك، لم تفقد هذه المشاهد من قسوتها لمجرد أنها لم تصور في خضم فوضى الحرب. ولأنهم جميعًا يظهرون في جميع القصص، يتكامل الفيلم ليصبح قصة جماعية واحدة عن السودان، بدلًا من أربع قصص منفصلة لخمسة أفراد. إنهم ليسوا ممثلين محترفين، لذا لا يمكنهم تجسيد الشخصيات بشكل كامل. مع ذلك، فإن وجوههم المليئة بالحزن تحكي أكثر مما يستطيع أي ممثل محترف أن يحكيه. لقد شهدوا جميعًا وحشية الحرب بأنفسهم، لذا فهم قادرون بالتأكيد على إظهار فظائعها. ويجدون في هذه العملية شعورًا بالانتماء والتضامن.

ربما أكثر من مجرد سرد قصة مدينة دمرتها الحرب، يركز فيلم "الخرطوم" على تنوع سكان المدينة. 

تتوقف الكاميرا مطولًا على وجوه من مختلف الأعمار والخلفيات والأعراق؛ لتظهر الانسجام والتعايش السلمي الذي حاولت الحكومات المختلفة والتقاليد والعادات العنصرية القضاء عليه. هذه كاميرات حساسة تظهر مدى معرفة صانعي الفيلم وحبهم للمدينة. كل لقطة تنبض بهذا الحب.

في الموسيقى التصويرية، تسمع موسيقى حنينية. إنها أغانٍ وأناشيد مألوفة يتعرف عليها كل سوداني بالتأكيد. تتغنى كلماتها بالفخر والحب والانتماء. وقد اختار صانعو الفيلم هذه الأغاني بذكاء لجذب الجمهور إلى زمن أفضل في الماضي، مع إظهار إمكانية عودته.

إذا كانوا قادرين على الحفاظ على هذا الفيلم وإنجازه، فهناك أمل للسودان؛ لأن الروح لا تزال حية ولم تطفئها الحرب والانقسام. من خلال إعادة خلق ليس فقط الحرب، بل أيضًا أحلام ولحظات سعيدة لأبطال الفيلم في الخرطوم، يحافظ صانعو الفيلم على الأمل حيًا.

فيلم "الخرطوم" بسيط وعفوي مثل مجموعة صانعي الأفلام المبتدئين الذين لم يكبروا وهم يلعبون بالكاميرات. إنه ليس مصقولًا، لكن قوته تكمن في أصالته وإبداعه. 

لقد اجتمع هؤلاء المخرجون ووجدوا طرقًا لإكمال سرد قصصهم. هذا فيلم يتلاعب بالشكل نفسه، ولا يدعي أبدًا أنه توثيق حقيقي للأحداث. يستخدم العديد من العناصر المختلفة -بما في ذلك الشاشة الخضراء والرسوم المتحركة ورحلات الخيال- لإكمال فيلم لم يكن من الممكن إنجازه في موقعه الأصلي. إنه يعمل كعمل إبداعي وآلية علاجية لصانعي الأفلام وأبطالهم. سواء زاروا الخرطوم أم لا، من المرجح أن يشعر الحاضرون بهذا الشعور الدافئ.

قيتناوب الفيلم بين لقطات حميمة ما قبل الحرب، وإعادة تمثيل الأحداث، وقصص ذكريات وآمال الأبطال، وهو بمثابة رحلة عاطفية متقلبة، حيث يحل الخوف محل الأمل، ويتصادم الجمال مع أهوال الحرب والعنصرية والنزوح. المونتاج الافتتاحي يجمع بين التقطيع الديناميكي والخلفيات السريالية التي تمثل حالات الأحلام.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: