في كتاب (انتشار الكوميديا السوداء في المسرحيات الكوميدية)، يشير سلمان عبد الحميد إلى أنّ العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت أحداثًا مؤثرة وحيوية تركت بصمتها العميقة على حياة الأفراد، وأعادت تشكيل المواقف والرؤى تجاه ما بعد الحداثة بشكل جذري (564). ويرى بودريار أنّ ما بعد الحداثة تمثل حقبة تركز على طبيعة الخلق، وتطرح عبثية السعي وراء إجابات نهائية لتحقيق المعنى الإنساني، وهو ما يجعلها مرتبطة أساسًا برحلة الإنسان في البحث عن المعنى. أمّا بعد ما بعد الحداثة، كما ورد في الكتاب نفسه، فهي تمثل محاولة واعية لتجنب مخاطر الانقسام الداخلي أو الازدواجية في عالم مضطرب وفوضوي.
موضوعات مقترحة
وفي سياق الحداثة وما بعد الحداثة، يقود الحزن إلى اغتراب الفرد وعزلته بفعل العوامل التقنية؛ غير أنّ من يشتركون في الحزن نفسه يمكنهم التواصل والتعبير عن أفكارهم بدلًا من البقاء أسرى الصمت واليأس (غودارزي 565). وحتى في ظل الصمت، يعبّر الأفراد عن مشاعرهم عبر مؤشرات واضحة، وهو ما يمنحهم فرصة للتحرر من قيود الوحدة والعزلة.
يعالج أدب بعد ما بعد الحداثة موضوعات العزلة والعبثية والمعاناة الإنسانية من خلال المزج بين الكوميديا السوداء والمأساة. فالكوميديا السوداء توظف الفكاهة لتناول قضايا جادة، في حين تركز المأساة على الألم والصراعات الوجودية. ويخلق هذا المزج تعقيدًا سرديًا يطمس الحدود بين المرح والكآبة. كما تتناول أعمال بعد ما بعد الحداثة قضايا مثل المراقبة والهوية والسعي وراء المعنى في مجتمع مثقل بالإحباط. ويسهم التباين بين الفكاهة والحزن في تحفيز التأمل العميق في التجربة الإنسانية، مع طرح تساؤلات حول السرديات التقليدية.
تشير الكوميديا السوداء إلى شكل خاص من الفكاهة يتناول موضوعات الحزن واليأس والموت. وقد لجأ إليها مؤلفون مثل أريستوفانيس وبلوتوس، وكذلك شكسبير في مسرحيته ترويلوس وكريسيدا، لوصف أعمالهم. أما مختارات أندريه بريتون للفكاهة السوداء، فقد سلطت الضوء على هذا النوع في كتابات خمسة وأربعين كاتبًا، واعتبرت جوناثان سويفت مبتكر ما يُعرف بالفكاهة الوحشية أو فكاهة المشنقة (بريتون 3). ويرى أولسون، في كتابه كوميديا بعد ما بعد الحداثة (2001)، أن جوهر الكوميديا يكمن في تحررها الفطري من القيود الوصفية. وفي النهاية، تظل الكوميديا عصية على التصنيف، سواء حاول المرء تفسيرها بمفاهيم العبث أو التطهير أو ربطها بالمشاعر الكامنة.
يوظف إيغرز في روايته الدائرة الكوميديا السوداء لانتقاد المجتمع المعاصر، ولا سيما التأثير المتصاعد للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. ومن خلال الفكاهة السوداء والمبالغة في رسم ملامح الشخصيات، تكشف الرواية عن عبثية مجتمع يقوم على التواصل والانفتاح المفرط. وتظهر ثقافة العمل في شركة الدائرة بطابع كوميدي، إذ تجسد سلوكيات متطرفة تعكس أوجه الخلل الاجتماعي. وتبلغ الكوميديا السوداء ذروتها في مسيرة ماي المهنية، حيث تتناقض الامتيازات غير التقليدية التي تقدمها الشركة – مثل حوض الأسماك ودروس اليوغا – تناقضًا حادًا مع البيئة الخانقة لثقافة الشركات (الدائرة 8). وراء هذا القناع الكوميدي، تتسلل إلى ماي خيبةُ أمل عميقة حين تدرك أن تلك الامتيازات ما هي إلا غطاء لثقافة قائمة على التحكم والمراقبة، تدفعها إلى الانغماس في مؤسسة صارمة. كما تكشف عبثية التصرفات التي يقوم بها الموظفون سعيًا وراء نيل القبول على منصات التواصل الاجتماعي – عبر الإعجابات والتعليقات الإيجابية – عن كوميديا سوداء تجسد الضغوط التي يفرضها السعي المحموم وراء القبول في العصر الحديث (الدائرة 74).
يحدث فقدان مأساوي للهوية والأصالة حين تمنح الشخصيات أهمية أكبر لصورها على الإنترنت مقارنة بعلاقاتها في الحياة الواقعية، مما يدفعها إلى الانعزال وينتهي بها الأمر إلى مواجهة أزمات عاطفية حادة. وتستخدم آني، الرئيسة التنفيذية غريبة الأطوار، حسها الفكاهي لتخفيف أجواء التوتر في اجتماعات العمل، فتسخر من الامتيازات الغريبة في المكتب – مثل حوض قناديل البحر أو الدراجات المجانية – بطريقة تُضحك الجميع حتى وسط المحادثات الجادة. ورغم تحديها لسياسات العمل في الشركة، فإنها مع صعودها المهني تنخرط في استراتيجيات غير أخلاقية، متجاهلة انتهاكات الخصوصية في سبيل تحقيق الأرباح. ويتجلى هذا التناقض بشكل خاص في علاقتها مع ماي، التي تُعلي من شأن الصدق والنزاهة؛ إذ يسبب لها الصراع الداخلي ضغوطًا نفسية كبيرة. ومع تدهور صداقتهما الوثيقة السابقة، يكشف استياء ماي من تنازلات آني أن نجاح الأخيرة تحقق بثمن باهظ.
تحمل مبادرة "بيت الكلب" في طياتها لمسة من الكوميديا السوداء، إذ تعرض الشركة هذا البيت في مقر العمل بأسلوب فكاهي لتأكيد سعيها إلى خلق بيئة عمل ممتعة (الدائرة 63). غير أن هذه المبادرة تكشف في الوقت نفسه عن واقع مؤلم، يتمثل في شعور كثير من الموظفين بالوحدة ولجوئهم إلى وسائل متطرفة بحثًا عن شخص يمكنهم التحدث إليه، وهو ما يعكس مشكلة اجتماعية أوسع تتمثل في إحساس الأفراد بالغربة رغم العيش في عالم شديد الترابط.
في رواية الجميع لديف إيغرز، يشكّل التداخل بين الكوميديا السوداء والمأساة محورًا أساسيًا يعكس تحديات المجتمع المعاصر. ومن الأمثلة اللافتة على ذلك أجهزة تتبّع الصحة، مثل أساور المعصم التي ترتديها ديلاني وشخصيات أخرى، والمفروضة قانونًا لتسجيل مؤشرات فسيولوجية متعددة. تقدّم الرواية رؤية ساخرة للمبالغة التي تبديها الشركات لضمان التزام موظفيها باللوائح الصحية، مبرزة عبثية انحصار الاهتمام في أرقام النقاط والانشغال بصراعات عبثية حول التدابير الصحية، وحساب الخطوات والسعرات الحرارية باستمرار. وبدل التركيز على الصحة الفعلية، تُجبر الشخصيات على الانخراط في برامج غريبة، مثل جلسات التأمل أو أنشطة جماعية غير مألوفة، تُعرض بروح أقرب إلى المسرحية منها إلى الممارسة الواقعية. بأسلوب سردي واقعي، يضفي الكاتب طابعًا ساخرًا وملتبسًا على تطبيع المراقبة. ويتجلى ذلك في المشهد الذي "وضعت فيه ديلاني إبهامها على الماسح الضوئي، فظهرت شبكة من الصور ومقاطع الفيديو والبيانات على شاشة روينا، من بينها صور لم ترها ديلاني من قبل – هل كانت محطة وقود في مونتانا؟ – وفي اللقطات الكاملة لجسدها، كانت منحنية، مثقلة بعبء مراهقتها الطويلة جدًا" (الجميع 11).
رغم الطابع الكوميدي لهذه الممارسات، تبقى الشخصيات واقعة تحت ضغط اجتماعي يدفعها إلى المشاركة. وإلى جانب ذلك، فإن الإدراك المؤلم بأن اعتمادها المفرط على الخوارزميات وأشكال التكنولوجيا الأخرى يسلبها استقلاليتها ويقوّض قدراتها على التفكير النقدي، يشكّل أحد أكثر عناصر القصة صدمة، إذ يقود إلى مواقف بالغة العبثية.
تظهر الكوميديا السوداء بوضوح في رواية أبطال الحدود. ففي هذه الحكاية المأساوية الممزوجة بالضحك، تهرب جوزي من أوهايو، فيما تعكس تصرفات طفليها، بول وآنا، طبيعة العائلة المتقلبة بأسلوب يجمع بين الطرافة والقلق. كما يجسد تصوير كارل، زوج جوزي السابق، مزيجًا من الفكاهة والمأساة، كاشفًا عن جهله وتأثيره السلبي على جوزي وأطفالهما.
عندما تزور جوزي وأطفالها حديقة الحيوانات، يشاهدون مجموعة متنوعة من الحيوانات، ويبدو واضحًا انجذاب بول وآنا إلى ما يحيط بهما. كان شغفهما بالزيارة جليًا: "أراد الأطفال بشدة الذهاب، بينما كانت جوزي تتمنى تجاوز المعلم السياحي بسرعة، لكن اللافتات التي تحدثت عن الدببة والبيسون والموظ أغرتها قليلًا بفكرة أنهم قد يتمكنون من شطب كل هذه الثدييات من قائمتهم في الساعات الأولى" (أبطال الحدود 12). وفي داخل الحديقة، استخدم الأطفال المناظير بفرح لمتابعة الأغنام الجبلية الكبيرة القرون على سلسلة جبال بعيدة. قال بول: "أراهم"، ثم سلّم المنظار لآنا، بينما كانت جوزي تحدق في البعيد، لتلمح القطيع كنقاط بيضاء باهتة على سفح الجبل (أبطال الحدود 13).
غير أن هذه الدهشة البريئة تنقطع فجأة تحت وطأة قسوة الطبيعة، إذ يأخذ يومهم منعطفًا مأساويًا عند مشاهدة نسر جشع. يبرز هذا المشهد التناقض الحاد بين براءة الأطفال وواقع الطبيعة القاسي، حيث ينتج عن التقاء البراءة بعنف النسر مزيج من الفكاهة والحزن. تجد جوزي نفسها مضطرة لمواجهة تبعات ما رأوه، في لحظة تكشف عن تعقيد الحياة وحقيقة الطبيعة التي غالبًا ما تكون جلية لمن يتأملها. هنا لا تُخفف الفكاهة من ثقل الحزن، بل تزيده حدة، مما يعمّق وعي القارئ بتشابك الحياة وضرورة مواجهة الحقائق المؤلمة. والنتيجة مشهد كان في بدايته طريفًا لكنه ينقلب إلى لحظة مشحونة بالكآبة، تجسد حقائق الطبيعة ومشاق النضج، وتفرض مواجهة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
تأليف: ياسمين محمد النجار
عرض وترجمة: د. أشرف إبراهيم زيدان
أستاذ الأدب الإنجليزي المساعد
رئيس قسم اللغة الإنجليزية ـ كلية الآداب ـ جامعة بور سعيد
الأستاذ الدكتور أشرف زيدان