مستقبل اتفاقيات إبراهيم بعد انضمام كازاخستان

11-11-2025 | 13:50

في السادس من نوفمبر عام 2025، بدا كأن الريح تهب من أقصى آسيا الوسطى؛ لتترك أثرًا على خرائط السياسة في الشرق الأوسط. أعلنت كازاخستان انضمامها إلى اتفاقيات إبراهيم.

كازاخستان، ذلك البلد الممتد على تخوم روسيا والصين، والمحمَلة تربته بكنوز النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم والمعادن النادرة، قفز فجأة إلى واجهة مشهد ظل طويلًا حكرًا على عواصم عربية. وفي هذه الخطوة بدا أن الاتفاقيات التي بدأت في الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان وإسرائيل، خرجت من حدود الإقليم إلى فضاء أوسع. وليس ذلك بلا معنى. فهناك في واشنطن من يريد للاتفاقيات الإبراهيمية أن تتجاوز الجغرافيا، وأن تصبح عنوانًا جديدًا لنظام إقليمي ممتد، يطوِق روسيا من الجنوب، ويداعب طموحات الصين، ويمد خيوطًا خفية نحو قلب آسيا.

جاء توقيت إعلان الأستانة الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية متزامنًا مع قمة C5+1 في البيت الأبيض، والتي جمعت الولايات المتحدة بدول آسيا الوسطى الخمس. وكان المشهد أشبه بتلويح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخريطة نفوذ جديدة، وتدفع بعلاقات إسرائيل شرقًا، نحو طريق حرير مغاير، تتبدل فيه القوافل، ويسعى فيه التجار الإسرائيليون، من خلال شراكات مع نظرائهم الأمريكيين، الحصول على نصيب من كعكة المعادن النادرة، وعقود البنية التحتية في هذا البلد، الأكثر استقرارًا وغنى وتقدمًا في منطقة آسيا الوسطى.

في الخلفية، كانت العيون تتجه إلى الرياض باعتبارها "الجائزة الكبرى" في الاتفاقيات الإبراهيمية، لكن الطريق الالتفافي عبر أستانا يشي بأن إدارة الرئيس ترامب لا تنتظر أحدًا، وأن هذه الاتفاقيات يمكن أن تتوسع حتى قبل أن يأتي السعوديون.

منذ استقلالها، سارت الأستانة على حبل مشدود بين عواصم كبرى: موسكو وبكين وواشنطن، ومعها أنقرة. اتكأت على موقعها الجغرافي لتصبح عقدة وصل بين الشرق والغرب، وعلى ثرواتها لتتحول إلى لاعب مؤثر في أسواق الطاقة والمعادن النادرة.

ومع الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، بدا أن كازاخستان تضيف إلى أدوات توازنها ورقة جديدة؛ فهي تقرأ جيدًا سباق القوى الكبرى، وتدرك أن القدرة على المناورة تمنحها مكانة لا تقل أهمية عن الثروة ذاتها. وفي الوقت ذاته، كان في المشهد بُعد إقليمي يتعلق بالمنافسة الهادئة مع أوزبكستان، التي تجمعها بإسرائيل علاقات اقتصادية متنامية.

ولكن ثمَّة حقيقة لا يمكن القفز فوقها. حيث جاء انضمام الأستانة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية في لحظة كان فيها الدم الفلسطيني يسيل في غزة، عند أطراف الليل والنهار. وهذا ما جعل المشهد أكثر التباسًا.

تاريخيًا، وقفت كازاخستان موقفًا داعمًا للحقوق الفلسطينية، وهي تدرك أن صورتها داخل العالم الإسلامي مرتبطة بهذه الحقيقة، فهي عضو فاعل في منظمة مؤتمر التعاون الإسلامي؛ ولذلك فإن انضمامها إلى هذه الاتفاقيات قد يبدو، للبعض، كإدارة ظهرها للقضية.

ومن ناحية أخرى، تقف كازاخستان على "الممر الأوسط" الذي يربط شرق آسيا بأوروبا، ومع تشابك هذا الممر مع المشروع الأوسع، المعروف باسم "الممر الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي" IMEC يكتسب تطبيع العلاقات بين الأستانة وتل أبيب بُعدًا اقتصاديًا ضخمًا؛ إذ قد يفتح الطريق أمام سلاسل توريد جديدة، من شأنها منافسة الطريق الذي رسمته بكين في مبادرة "الحزام والطريق".

ومع ثرواتها من المعادن النادرة، واليورانيوم، والنفط والغاز الطبيعي، تستطيع كازاخستان أيضًا أن تقدم لإسرائيل والولايات المتحدة ما يتجاوز إعطاء "قوة دفع جديدة" للاتفاقيات الإبراهيمية. فهي شريك قادر على تغيير قواعد اللعبة في أسواق التقنيات المتقدمة من بطاريات إلى رقائق إلكترونية.

ومن ناحية أخرى، وفي دهاليز الأمن والاستخبارات، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فخبرة إسرائيل في الأمن السيبراني قد تجعلها شريكًا مرغوبًا فيه لدى كازاخستان، لكن في المقابل، هناك في موسكو وطهران من ينظر بعين القلق إلى ما يمكن أن تحمله الحقائب القادمة من تل أبيب وواشنطن، من قواعد بيانات، وبرامج مراقبة، وأذرع استخباراتية قد تمتد إلى عمق الحدود الروسية والإيرانية، وهنا يثور التساؤل التالي بإلحاح: هل نحن أمام بداية انتقال إسرائيل إلى تخوم منطقة آسيا الوسطى كفاعل أمني؟ قد يكون من المبكر الإجابة على هذا التساؤل بدقة، ولكن الإشارات لا يمكن تجاهلها.

على أية حال، يمكن القول إن انضمام كازاخستان إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لن يكون له تأثير كبير في المدى القريب على مستقبل السلام في منطقة الشرق الأوسط. فأي انضمام جديد سيبقى محدودًا في تأثيره الإيجابي طالما تتحكم في إسرائيل حكومة يمينية متشددة بقيادة نتنياهو، تنظر إلى القضية الفلسطينية كعبء أمني لا كواجب أخلاقي أو سياسي. وفوق ذلك، فإن غضب الشارع العربي والإسلامي، في ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة من إبادة وتجويع، يجعل أي خطوة نحو التطبيع محاطة بسحب كثيفة من الرفض والشك.

ودون تغيير حقيقي في الموقف الإسرائيلي، لن يكون لأي دولة جديدة، بما فيها كازاخستان، قدرة على دفع الاتفاقيات الإبراهيمية إلى الأمام. فالباب السياسي الذي كان يُفترض أن يُفتح بقي مُغلقًا، والاتفاقيات بدت كأنها جسور معلَقة فوق واد بلا معابر.

* رئيس وحدة العلاقات الدولية – مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

كلمات البحث