المهندسة المعمارية هدير دهب:عشقت التراث الثقافي بسبب نشأتي في شوارع وسط البلد
موضوعات مقترحة
أطلقت مشروع "ناسجات النيل" بهدف تمكين السيدات فى نصر النوبة
المهندس ليست مهمته تصميم المباني فقط.. بل هدفه تصميم المدن التي تتفاعل مع المجتمع
هدير دهب.. مهندسة معمارية وباحثة في إدارة التراث الثقافي بجامعة السوربون الفرنسية، ومدرس مساعد فى قسم العمارة بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري منذ سبتمبر 2018 وحتى الآن، ورغم صغر سنها لكنها نجحت في ترك بصمة واضحة من خلال مشاريعها المعمارية المبتكرة واهتمامها بالتراث والمتاحف المصرية وبالبيئة ومشروعات إعادة التدوير والمدن المستدامة، قصة نجاح لـ"بنت النوبة" تستحق التوقف معها في السطور التالية.
كيف تأثرت بنشأتك في منطقة وسط البلد بجانب أصولك النوبية؟
وُلدت عام 1990 في منطقة الفلكي وعابدين حيث كان بيت عائلة والدي، وكذلك مقر جمعية الديوان.. وهى الجمعية النوبية التى تمثل قريتنا الأصلية، وكانت هذه الجمعية مكان تجمع مهم جدا حيث كان والدي يصطحبنى هناك بشكل دوري لأعيش عن قرب داخل تفاصيل المجتمع النوبي من خلال الأنشطة والاجتماعات الأسبوعية، والتحقت بمدرسة محمد فريد فى المرحلتين الابتدائية والاعدادية، أما المرحلة الثانوية فدرست في مدرسة المبتديان التجريبية التي تقع أمام مستشفى المنيرة، وفي مرحلة الطفولة لعبت والدتي دورا محوريا في اكتشافي للمدينة، فقد كانت تعمل في أحد البنوك بشارع شريف مما جعلنا ننتظم على رياضة المشي بين شوارع وسط البلد، وفي جامعة القاهرة ومن خلال دراستي للهندسة المعمارية بدأت أتعرف بشكل أكاديمي على مختلف المفاهيم المتعلقة بالمدينة وأهمية المساحات العامة وأفهم معنى المشاركة المجتمعية، وكيف أن المهندس المعماري لا يجب أن يكون محصورا في تصميم المباني فقط.. بل يجب أن يهتم أيضا بتصميم الأحياء والمدن التي تتفاعل مع المجتمع، خاصة مع دراستي للعديد من المشروعات التي تتعلق بتطوير الأحياء التراثية مثل مشروع إحياء منطقة الدرب الأحمر ومشروع ترميم وحفاظ "بيت السحيمي".
المهندسة هدير دهب
وكيف نجحت في التوفيق بين هذه الأفكار ودراستك العملية في السوربون فيما بعد؟
عندما تخرجت عام 2013 قررت أن أتابع الماجستير في إدارة التراث الثقافي بجامعة السوربون، حيث بدأت أتعرف على الفرق بين التراث المادي وغير المادي.. بالإضافة إلى التراث الطبيعي، وهذه الفترة كانت محطة مهمة في حياتي حيث بدأ ينضج لدي فهم أعمق لفكرة ومفهوم التراث وأثره على المجتمع، ومع نهاية الماجستير كان التدريب العملي في مكانين مهمين، الأول مشروع إعادة إحياء القاهرة التاريخية التابع لليونسكو، أما التدريب الثاني فكان مع الدكتورة مي الإبراشي في مبادرة "الأثر لنا" التي كانت بمثابة نقطة انطلاق لفهم مختلف لما يُسمى بـ place-based خلال هذا التدريب أدركت كيف يمكننا الحفاظ على التراث ليكون أداة لتحقيق التنمية المستدامة وكيف أن إشراك المجتمع المحلي في الحفاظ على التراث يمكن أن يكون له تأثير عميق على طريقة فهمهم للمدينة، كذلك حصلت على دبلوم مهني في إدارة التراث الثقافي من الجامعة الفرنسية في مصر.
المهندسة هدير دهب
المهندسة هدير دهب
حدثينا عن دورك فى مبادرات المجتمع المدنى؟
البداية كانت خلال دراستي للهندسة المعمارية في جامعة القاهرة، بدأتُ أركز على مفهوم المشاركة المجتمعية ودور السكان المحليين في مشروعات التنمية العمرانية، وكانت هذه نقطة تحول رئيسية خاصة في الفرقة الثالثة والرابعة حيث أدركتُ أهمية دمج السكان في عمليات التطوير بدلا من التعامل معهم كمجرد مستفيدين، كما قمت بالتدريب مع مبادرة "الأثر لنا" التابعة لجمعية الفكر العمراني لمدة 9 سنوات من خلال مشاريع مختلفة تتعلق بالمشاركة المجتمعية في مجالات الترميم التشاركي وتعليم التراث وإعادة تفعيل المساحات العامة، كنتُ مسئولة عن برنامج تعليم التراث والصناعات الإبداعية للأطفال والشباب الذي تحوّل لاحقًا إلى مشاريع مستقلة كان آخرها مشروع "مكاننا الخليفة"، كما شاركتُ في عدة برامج تدريبية دولية لتعزيز مهاراتي في التراث والتنمية المجتمعية من بينها عام
2021 زمالة Tandem 360 الجولة الثانية بتنظيم وزارة الخارجية الألمانية، كما حصلت على زمالة Mudawanat Podcast بدعم المجلس الثقافي البريطاني، وكذلك زمالة برنامج التبادل المهني الرائد التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، وفى عام ٢٠٢٤ م حصلت على زمالة ضمن مشروع ألوان وأوتار وصندوق اليونسكو الدولي للتنوع الثقافي، كذلك ساهمتُ في عدة مؤتمرات وورش عمل.
المهندسة هدير دهب
المهندسة هدير دهب
ما تفاصيل مبادرة "مكاننا"؟
في 2023 أطلقتُ مبادرة "مكاننا" ويقودها الشباب لإحياء المساحات العامة وتهدف إلى تمكين المجتمعات من خلال التصميم التشاركي والحفاظ على التراث الثقافي والتفاعل الإبداعي في الفراغات الحضرية، واستلهمتُ المبادرة من نجاح "مكاننا الخليفة" ووسّعنا نطاق العمل ليشمل أحياء ومجتمعات مختلفة، ومنهجية "مكاننا" تقوم على عدة محاور رئيسية، وهي التصميم التشاركي من خلال إشراك السكان، خاصة الشباب، في إعادة تصميم المساحات العامة من خلال ورش العمل التفاعلية والتدخلات العمرانية المبتكرة وتفعيل التراث الثقافي ودمج القصص المحلية والحرف التقليدية والسرد البصري لتعزيز الهوية الثقافية في المدينة، وكذلك تحقيق التغيير والاستدامة وإعادة التدوير، ويشرفني أن أكون المؤسس والرئيس التنفيذي لهذه المبادرة، وحصلتُ على عدة جوائز وتكريمات محلية ودولية، كما حصلت على بكالوريوس كلية الهندسة المعمارية جامعة مالقة إسبانيا عام 2011، وخلال مسيرتي الاكاديمية قمتُ بنشر عدد من المقالات والتقارير المتخصصة حول التراث والتنمية الحضرية.
المهندسة هدير دهب
أيضا لك مشروع باسم "ناسجات النيل" فى نصر النوبة، ما تفاصيله؟
أطلقت مشروع "ناسجات النيل" الذى يهدف إلى تمكين السيدات والفتيات النوبيات، ويعد أحد المشاريع الفائزة فى منح يونيك الصغيرة ٢٠٢٤ وهو برنامج ممول من الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع اتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية "يونيك"، ونركز على تعليم الفتيات النوبيات سواء فى القاهرة أو النوبة وتمكينهن للتعرف على الحرف التراثية، ونركز فى المشروع على حرفتى الخرز والجارجار، مع التركيز كذلك على مشاركة سيدات إقليم الكنوز واقليم الفاديكا وهم من أشهر الأقاليم المشكلة للمجتمع النوبي فى اسوان والقاهر، وقدمنا فى البداية ورشة فى القاهرة ثم سافرنا الى النوية لتنظيم ورشة تدريبية هناك، ويستعمل الخرز فى عمل العقد والمفارش أو التطريز على الطرح، فالخرز الذى يستخدم فى العقد غير الخرز المستخدم فى طرح السيدات غير الشغل على القماش، وفكرة دمج الجرجار فى الخرز تعتمد على التراث.. فالسيدات في النوبة ترتدي الجرجار بأقمشة وخامات وأشكال مختلفة عن النوبيات فى القاهرة، وهنا اشتغلنا على ٤ أقمشة مختلفين وعملنا تصميمات مميزة خاصة بالتراث النوبي..
بل وجدت أن كل قرية أو مجموعة فى النوبة لهم طريقة مختلفة مميزة فى الخرز، وساعدنا سيدات كثيرات علي فتح باب رزق لهن سواء بالتطريز على فساتين الأفراح أو الطرح، كمان أننا قمنا بتعليم أبناء هؤلاء السيدات على التصوير ليقوم كل ابن أو ابنة بتصوير عمل أمهاتهم كمشاركة مع اهاليهم لتسويق منتجاتهم على السوشيال ميديا، كما قمت بالعمل على توثيق الجرجار النوبي كواحد ضمن ١٠ عناصر أخرى من التراث النوبي غير المادى في اليونسكو.