لم أقتنع نهائيا بـ"الإجابة النموذجية" وتعرضت للتنمر بسبب ملامحى الأجنبية رغم أننى مصرية 100 %
موضوعات مقترحة
أمى سافرت معى إلى فنلندا حتى أتأقلم على العيش فى درجة حرارة 20 تحت الصفر
أبحاثى تحاول الإجابة عن سؤال مهم: لماذا يقضى البشر أوقاتا فى الألعاب بدلا من التعلم ؟
ربما البدايات لم تبشر بأن الطفلة التي عانت كثيراً في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية بسبب رفضها لأسلوب وطريقة التعليم .. ستحصل علي الماجستير والدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف من أعرق جامعات أوروبا.. وتقوم حالياً بالتدريس في دولة تعتبر الأولى عالمياً في مستوى وجودة التعليم، حديثنا عن البروفيسور لبنى حسن أستاذة التحولات الاجتماعية والتقنية بجامعة لابينرانتا-لاهتي للتكنولوجيا في فنلندا، والتي نالت عدداً كبيراً من الجوائز ونشرت عشرات الأبحاث في مجلات أكاديمية مرموقة.. بل وتقود مختبراً بحثياً اسمه SIA يعتبر مهمته أن يجعل العالم "مكانًا أفضل".. وحققت كل ذلك قبل أن تكمل عامها الـ34 .
الغريب أن البروفيسور لبني حسن كانت في صغرها تكره المدرسة وطريقة التعليم بشدة، تقول: ولدت في القاهرة عام 1991، كان والداي طبيبين.. والدي طبيب أطفال ووالدتي طبيبة باطنية، ولدي أخت طبيبة عيون وأخي صيدلي، وعمل والداي في الخارج كأطباء في بلدان مختلفة، وعلى عكس معظم الآباء المصريين.. لم يرغب والداي في أن يكون طفلهما الثالث (أنا) طبيبًا، كرهتُ الذهاب إلى المدرسة بشدة لأنها لم تكن مهتمة بفهم احتياجات طلابها المختلفة، أيضاً لم يرغبوا في حمايتهم من الأذى أو التنمر.. وكما يتضح من صورتي، فأنا شكلي ليس مصريًا خالصاً، فأنا بشرتي بيضاء ولدي شعر أشقر مع أنني مصرية 100%، هذا الاختلاف في المظهر بحد ذاته فتح لي البابَ أمام الكثير من التنمر من المعلمين والطلاب، وكان لديّ عدد قليل جدًا من الأصدقاء. كما أنني حساسة لأشعة الشمس التي قد تُسبب لي حروقًا جلدية بسهولة، ومع ذلك، اضطررتُ- لأن المدرسة فرضت ذلك- إلى قضاء ساعة ونصف على الأقل يوميًا في المدرسة في ساحة اللعب تحت أشعة الشمس الحارقة الساعة ١٢ ظهرًا خلال "الفُسحة" و"الطُابُور"، كان هذا مؤلم جدًا بالنسبة لي، ولكنني كنتُ شغوفًة بالتعلم، ولكن ليس بالطريقة التقليدية التي تقيس بها المدارس درجاتي بالامتحانات، كنت أحب الرياضيات والكيمياء والتاريخ والجغرافيا والأحياء، مواد مختلفة تُسمى "أدبي" و"علمي" .. كنتُ أرغب في دراسة مزيج خاص.
ويبدو أن تجربتها الخاصة في المدرسة أثرت بشكل ما على تواجدها ضمن الأوائل، تضيف: لم تكن درجاتي عادةً ممتازة لأنني لم أكن أجيب بشكل مثالي "الإجابة النموذجية" في الامتحانات، كنتُ أكتب ما أعرفه عن المادة، كنت أفقد درجاتي بدون سبب وجيه، وكان أساتذتي دائمًا ينزعجون مني، كنت طالبة متفوقًة لكنني لست ضمن أفضل 10 طلاب، لكنني كنت أهتم أكثر بالتعلم، والمعلومات الجديدة، والاستمتاع بالمواد التي أدرسها، بدلًا من إضاعة وقتي في حفظ ما أعرفه مسبقًا، وكان والداي يتفهمان جيدًا سبب عدم حصولي على درجات كاملة رغم أنني كنت ذكية جدًا، كنتُ في صغري أشاهد الكثير من الأفلام الوثائقية على التليفزيون، وأقرأ الكثير من الكتب طوال الوقت، كانت المكتبة أكثر تشويقًا من الفصول الدراسية، في النهاية، خلال دراستي في الثانوية العامة، كان عليّ الإجابة عن سؤال: "ماذا أريد أن أصبح؟"، وبسبب تجربتي السيئة مع المدرسة قرر والدي أن أدرس في جامعة خاصة بعد حصولي علي منحة جزئية.
وبعدما أنهت دراستها بالجامعة بتفوق في مجال إدارة الأعمال.. واجهتُ سؤالًا جديدًا: ماذا تريد أن تعمل؟ تقدمتُ لوظائف متنوعة، ثم شجعها أحد أساتذتها في الجامعة على التقدم للحصول على زمالة الماجستير، تضيف: بدأتُ أحب البحث العلمي. واكتشفتُ أنني أستمتع بالعمل في الجامعة، ونصحني الأساتذة الذين تحدثتُ معهم بالحصول على درجة الدكتوراه من الخارج، ولأنني نشأتُ في عائلة محافظة، لم يكن السفر قرارًا سهلاً، لكنني تحدثتُ مع والديّ عدة مرات، وكانا يريدان فقط التأكد من أن ألمانيا ستكون خياري الأول لأنني كنتُ أتحدث الألمانية من خلال دراستي في الجامعة، وقدّمتُ طلباتٍ إلى عدة جامعات هناك، والآن أستطيع القول بأنني كنتُ محظوظًة لأنني لم ألتحق بها، فقد قدّمتُ أيضًا طلباتٍ إلى جامعةٍ فنلندية، وهي كلية هانكن للاقتصاد، وهي واحدة من أفضل 3 كليات إدارة أعمال في أوروبا، وهي ذات تصنيفٍ عالٍ عالميًا من حيث جودة الأبحاث، إنهم انتقائيون للغاية في قبول الطلاب، ولم أكن أتوقع حقًا أن أُقبل هناك، بل لم أتخيل أبدًا أن أعيش في فنلندا، وهي أفضل دولة في العالم من حيث جودة التعليم، لكن هانكن قبلتني وعرضت عليّ منحة دراسية ابتدائية لتغطية نفقات معيشتي لمدة عام ونصف حتى أجد تمويلًا لبحثي، وأمي سافرت معي في البداية لمساعدتي على الاستقرار وتأثيث شقتي وبدء دراستي، كانت فترة صعبة للغاية علينا، المنحة الدراسية كانت بمبلغ زهيد جدًا، وذهب معظمه للإيجار، كنتُ حريصة جدًا على إنفاق المال على الطعام أو الملابس المناسبة لشتاء فنلندا الذي بلغت فيه درجة الحرارة -20 درجة مئوية، لمدة 3 سنوات، لم يكن لديّ الكثير من الأشياء الأساسية حتى أصبحتُ باحثة ما بعد الدكتوراه، وبعد بضعة أشهر من وصولي إلى فنلندا، وقعت هجمات إرهابية في باريس. أصبح من الصعب جدًا عليّ السير في الشوارع بحجاب يُظهر أنني مسلمة، حتى اسم عائلتي كان يُظهر للجميع أنني عربية مسلمة، كانت أوقات عصيبة، ولكن لأول مرة أجد ميزة في شكلي الأشقر مما جعل الأمر أسهل عليّ بكثير من كثيرين غيري من ذوي البشرة الداكنة، وفنلندا أقل عنصرية من غيرها من الدول، لكن هذا لا يعني أن أمي وأختي لا تتعرضان للعنصرية في الشارع بسبب حجابهما.
سألتها: بصراحة.. كيف وجدت المجال الأكاديمي في فنلندا مقارنة بالفترة التي عملت فيها في مصر؟ أجابت: المجالات الأكاديمية في فنلندا ومصر متناقضة تمامًا ومختلفة، فمعظم الوظائف الأكاديمية في فنلندا قائمة على البحث العلمي، بينما في مصر نركز على التدريس بشكل إداري، عندما كنت أعمل في الجامعة بالقاهرة كان من المتوقع مني إجراء بحث، لكن يوم عملي وأسبوعي كانا مشغولين تمامًا بالتدريس، لم يكن هناك وقت للبحث خلال ساعات عملي، وكان نشر بحث واحد سنويًا إنجازًا، الآن، أنشر 10 أبحاث سنويًا بالتعاون مع الطلاب والمؤلفين المشاركين، لأن وقتي مخصص بشكل رئيسي للبحث، كما أن المجتمع في مصر لا يزال لا يستوعب أهمية البحث العلمي، أحيانًا، نحاول إجراء أبحاث مع الجامعات المصرية، أو جمع بيانات باللغة العربية من المصريين، وعندما نطلب من الناس ملء استبيان أو شيء من هذا القبيل، يسألوننا "ما الفائدة التي سأجنيها؟"، أيضاً الوضع الاقتصادي في فنلندا مختلف تمامًا عن مصر، وبالتالي الموارد التي تُقدمها الجامعات الفنلندية للبحث العلمي أعلى بكثير، والتدريس عملية إبداعية. لا يُمكننا التدريس بشكل جيد إذا كنا في حالة ذهنية سيئة. لا يُمكننا إجراء بحث مُناسب إذا لم يُتح لنا الوقت للتفكير والقراءة والتعلم.. القصة كلها في المرونة، وفهم أن الموظفين بشر وليسوا آلات.
تتنوع اهتمامات د.لبنى حسن البحثية، وتشمل التلعيب، تصميم الأنظمة، والتكنولوجيا التحفيزية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة الإلكترونية، والتخزين، والواقع الافتراضي، تقول: في فنلندا، لك حرية البحث فيما تراه مهمًا ومثيرًا للاهتمام شخصيًا، بدأتُ دراسة الدكتوراه بموضوع "اللعب التحفيظية"، وقتها كنا مهتمين بمعرفة سبب ممارسة الناس للألعاب، وهل يمكننا جعلهم يقضون الوقت نفسه الذي يقضونه في الألعاب في التعلم أو التمرين بدلا من ذلك، وأصبح هذا موضوع دراستي، وهذا هو جوهر "اللعب التحفيظية"- كيف يمكننا تصميم التعليم، الذي لا يستمتع به الكثير من الطلاب، بطريقة تجعله أكثر متعة لهم؟ كيف يمكننا جعل الذهاب إلى النادي الرياضي والحفاظ على الصحة أكثر متعة؟ وعندما أنهيتُ دراسة الدكتوراه، اتضح لي أن هناك الكثير من الناس غير قادرين على استخدام التكنولوجيا (اللعب التحفيظية) لأنها غير مصممة بشكل جيد، إذا نظرتَ إلى هاتفك، ستجد أن معظم التطبيقات تستخدم حجم خط معينًا ليس قابلًا للتعديل، فلا يمكنك تكبيره بسهولة على سبيل المثال، ومع ذلك، يحتاج الكثير من الناس إلى خطوط أكبر، في حالات أخرى، قد يكون الشخص أصمًا ولا يمكنه سماع الصوت في مقطع فيديو، ويحتاج إلى ترجمة، لذا، أصبح تصميم التكنولوجيا لتكون مناسبة لعدد أكبر من الأشخاص محور تركيزي، ونطلق على هذا التصميم الشامل أو إمكانية الوصول، ولأنني خبير بالفعل في الألعاب، فإنني أركز كثيرًا على "إمكانية الوصول إلى الألعاب". كيف يمكننا التأكد من أن الألعاب مناسبة للجميع، حتى أي شخص يعاني من ضعف البصر أو التوحد أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ..كيف يمكننا التأكد من أن الألعاب لا تؤدي إلى الإدمان بل تساعد في تطوير المهارات أو تساعد في التعليم؟ هذا هو الآن محور بحثي .
سألناها: في أوروبا عموماً البحث العلمي مرتبط بالمؤسسات الصناعية والتعليمية، هل هذا يسهل كثيراً من عمل الباحثين فيما يخص التمويل؟ تقول: يُمثل التمويل حاليًا مشكلةً دوليةً نظرًا لضعف أداء الاقتصاد العالمي، عمومًا، يُمكن للقطاع الصناعي أحيانًا التعاون مع الباحثين. هذا ممكن، ولكنه يُوجِّه البحث نحو مصالح الشركة، وهي زيادة الربح. لم يسبق لي العمل بهذا النوع من التمويل. يأتي معظم تمويل أبحاثي من برامج حكومية لدعم البحث أو ما يُعرف بالمؤسسات الأهلية (منظمات غير حكومية تدعم البحث)، هذا التمويل أصعب في الحصول عليه، ولكنه يُتيح لنا التركيز على البحث الذي يُفيد المجتمع أكثر، وليس على مساعدة الرأسمالية على زيادة أرباحها، وقد حصلت على جوائز عديدة.. أبرزها في عام ٢٠١٩، حينما فازت أطروحتي للدكتوراه بجائزة الأفضل لهذا العام من تحالف الخدمات الفنلندي، وفي عام ٢٠٢٠، قبل أسابيع قليلة من جائحة كوفيد، تمّ تكريمي كواحدة من النساء العالميات اللواتي يُشكّلن مستقبل فنلندا من قِبَل نادي النساء الدولي في هلسنكي، والحقيقة أن الحياة في الخارج صعبةٌ حقًا. نُضحّي بالكثير من أجلها، وهذه التكريمات تُساعدنا حقًا على المضي قدمًا خلال هذه الأوقات الصعبة، وبالمناسبة.. نادرًا ما أضع خططًا واضحة لحياتي، لكنني أترك الله يختار لي، ولم أغادر مصر بنية عدم العودة أبدًا، بل سافرتُ فقط لتحسين تعليمي ومسيرتي المهنية، وعندما أنهيتُ الدكتوراه، لم أكن أعرف أين سينتهي بي المطاف، ولكن عُرض عليّ مواصلة دراستي كباحث ما بعد الدكتوراه في فنلندا. وعُرض عليّ مجددًا منصب تنافسي للغاية، في سن مبكرة جدًا، لأصبح أستاذًا مشاركًا. عملي وقيمتي معترف بهما بشدة في فنلندا، بالطبع، لا شيء يضاهي الحياة في مصر.. وإذا سمحت الظروف بذلك يُمكنني العودة أو ربما العمل ذهابًا وإيابًا بين البلدين، أو يُمكنني أيضًا السفر إلى بلد ثالث.. الله وحده يعلم المستقبل.