عباس حلمي الذي طمس المحتلُ إنجازاته!!

10-11-2025 | 14:36

التاريخ يُكتب لمصالح من يَحكم، لذلك لا يكون دائمًا صحيحًا، لكن الحقائق تعيش سنواتٍ منسيةً ليأتي اليوم الذي ينصف فيها التاريخ صُناعَه.

في تاريخ مصر الحديث أشخاصٌ قدَّموا الكثير لكن بعضهم تم تهميشهم مثل الخديو عباس حلمي مُقارنةً بغيره كـ إسماعيل وتوفيق.

كان الخديو عباس حلمي الثاني أحد أبرز حُكّام مصر في مطلع القرن العشرين، إذ جمع بين الطموح الوطني والرغبة في التحديث، رغم الظروف السياسية المُعقَّدة التي فرضها الاحتلال البريطاني.

تولّى الحُكم عام 1892 وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فوجد نفسه في مواجهةٍ مباشرةٍ مع النفوذ الأجنبي الذي كان يتحكم في شئون البلاد، لكنه لم يقف مكتوف الأيدي، بل اتجه إلى العمل الداخلي والإصلاح الإداري والعمراني ليُثبت أن مصر قادرة على النهوض رغم القيود المفروضة عليها.

اهتم الخديوي اهتمامًا كبيرًا بمشروعات البنية التحتية والزراعة، فكان يرى في الزراعة عماد الاقتصاد المصري. ومن أهم إنجازاته في هذا المجال قناطر أسيوط، التي وُضِع حجر أساسها في عهده عام 1898، وافتُتحت بعد سنواتٍ قليلةٍ، فساهمت في تحسين نظام الري وزيادة الإنتاج الزراعي في صعيد مصر، كما عمل على توسيع شبكات الترع والمصارف، وأنشأ محطات للري الحديثة على النيل، لتأمين المياه اللازمة للأراضي الزراعية.

أما في مجال المواصلات والطرق، فقد عمل على تطوير السكك الحديدية ومدِّ خطوطٍ جديدةٍ تربط بين الوجهين البحري والقبلي، مما ساعد على تسهيل حركة التجارة والنقل الداخلي. كما افتتح عددًا من الكباري الحديثة، من أبرزها كوبري قصر النيل الجديد الذي مثَّل نقلةً معماريةً وهندسيةً في قلب العاصمة.

وفي الجانب التعليمي والثقافي، كان عباس حلمي مؤمنًا بأن التقدم الحقيقي يبدأ من التعليم، فأنشأ مدارس جديدة، خاصةً المدارس الفنية والزراعية، واهتم بتعليم البنات الذي كان لا يزال محدودًا في هذا الوقت. كذلك أرسل البعثات العلمية إلى أوروبا، وساهم في تطوير الجامعة الأهلية المصرية التي كانت نواةً لجامعة القاهرة فيما بعد. ولم يقتصر اهتمامه على التعليم فحسب، بل شمل الفنون والآداب، فشجَّع الفنانين والموسيقيين، وحرص على أن تكون القاهرة مركزًا ثقافيًا يليق بمكانة مصر.

كذلك شهد عهده تطورًا عمرانيًا كبيرًا، إذ ازدهرت أحياء القاهرة الحديثة مثل حيّ الزمالك وجاردن سيتي، وافتُتحت حديقة الحيوان بالجيزة بشكلها المُتطور، كما أنشأ مباني حكوميةً وإداريةً ذات طرازٍ أوروبيٍ مميز. وكان الخديوي شغوفًا بالجمال والنظام، فأمر بتوسيع الشوارع، وتحسين الإضاءة العامة، وإنشاء الحدائق العامة التي أضفت على القاهرة مظهرًا حضاريًا راقيًا مما كان سببًا في أن تحصل القاهرة على لقب أجمل مُدن العالم.

ورغم الضغوط السياسية التي واجهها بسبب موقفه المعادي للنفوذ البريطاني، حيث كان على خلافٍ دائمٍ مع اللورد كرومر، ظلَّ عباس حلمي الثاني رمزًا للحاكم الذي حاول الموازنة بين روح الوطنية المصرية وواقع الاحتلال المفروض على بلاده. لذلك أُبعد عن الحُكم عام 1914 أثناء الحرب العالمية الأولى والعمل على طمس تاريخه من قِبل المُحتل، لكنه ترك خلفه إرثًا من الإصلاحات والمشروعات التي شكّلت أساسًا للتطور الذي عرفته مصر في العقود التالية.

ولأن تاريخ مصر مليء بالخفايا فعلى الأجيال الجديدة البحث ونشر الوعي بتاريخنا وتعليمه للأجيال القادمة بكل الوسائل الممكنة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: