مصر بهويتها المركبة وحدة لا تتجزأ

13-11-2025 | 11:05

كثيرًا ما تجد جدلًا دائرًا بين اثنين من الشخصيات المصرية أو أكثر، جدل يدور حول هوية مصر الحقيقية. هل هي فرعونية أم قبطية أم إسلامية وعربية؟ يتطرق الحوار إلى تسليط الضوء على فترات مرت بها مصر وهي تحت حُكم بلدان أخرى، يتطور النقاش ويحتدم وقد يصل الأمر في النهاية إلى إقامة مباراةٍ فكريةٍ تسرد بعض ملامح الثقافات المتعددة. هنا بدأت القصة، إنه حوارٌ دائرٌ رصدته في مسلسلٍ مصريٍ شهيرٍ بعنوان "أرابيسك" من تأليف الكاتب الكبير الراحل "أسامة أنور عكاشة" ومن إخراج المخرج الكبير "جمال عبد الحميد".

أخذني ذلك الحوار الدائر بين شخصيتين من شخصيات هذا المسلسل، الأولى شخصية الأستاذ "وفائي" الفنان "حسن حسني"، والثانية هي شخصية الدكتور "برهان" الفنان "كرم مطاوع"، في لحظةٍ استطردا فيها بالحديث عن هوية مصر وعن وحدتها ككيانٍ مستقلٍ، باحثين عن نقطة التقاء واحدةٍ لتلك الهوية؛ راغبين في الوصول لحقيقتها الشاملة، نظرًا لأهمية ذلك وأثره على الشخصية المصرية بوجه عام.

بدأ الحوار بهجومٍ تبدو ملامحه عدائيةً، فقد تربص كل منهما للآخر وترصَّد له، تتبَّع حديثه بمنتهى الدقة، طالبًا تفسيرًا لكل كلمةٍ تُقال، وتحديدًا فوريًا لكل معنىً قد يختلط على متلقيه وحاضره. كان الحوار متخمًا بمختلف الرؤى وبالعديد من وجهات النظر المتباينة.

كان شديدًا قاسيًا في بدايته، ثم هادئًا في منتصفه -مُغلِّبًا- العقل والحكمة والمنطق على غوغائية جدلٍ لا خير فيه، ثم انتهى بصمتٍ تامٍ عندما تأكد كل منهما أنهما معًا واقفان على نفس الأرض، فهما لم يقللا من قيمته أو يثوروا عليه، بل سعى كل منهما لإيجاد معنىً واضحٍ وعلَّلاه بدليلٍ قويٍ بحجةٍ وبرهانٍ لا يقبل مساومةً.

كثيرًا ما دار في مُخيلتي هذا الحوار الثري، فكم من عصرٍ مرت به مصر كانت لا تملك فيه السيادة الكاملة على مجتمعاتها وأرضها بفعل استعمارٍ بغيضٍ فرض نفسه واتخذ له فوق أرضها الطيبة ملجأً له، عصور عدة سمحت بدخول غير مرحبٍ بعادات شعوبٍ -همجيةٍ- أرادت أن تغتال معها وجه مصر وتذهب بحقيقتها الكاملة، لكنها -بفضل الله- وحفظه لها فشلت ثم فشلت ثم رحلت وبقيت مصر بوجهها الطلق لأبنائها حصن أمانٍ وإلى الأبد بإذنه وقدرته.

كانت مصر كما ورد تشبيهها في هذا المشهد "كالمعدة الضخمة القوية القادرة على هضم كل شيء"، تبتلع الكل ثم تعود تُصنف وتحفظ ما تود حفظه ثم تلفظ ما ليس به نفع لها ولا لأبنائها. يمكنني تشبيهها أيضًا بأنها شجرةٌ ضخمةٌ وارفةُ الظلال لها ساق واحدة تحمل غصونًا عدة، كل غصنٍ فيها يحكي قصةً مرت بها لكنها في النهاية واحدةٌ ضاربةٌ في عمق الأرض بجذورها الثابتة كثبات الجبال لا تهزها ريح ولا تقتلعها مخططات تسعى لهذا.

مصر في مُجملها وحدةٌ متكاملةٌ ذات هويةٍ مركبةٍ لا تقبل قِسمةً ولا تتجزأ مهما مر بها الزمن.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: