كل التجارب الناجحة للدول التي أدركت التقدم الاقتصادي وحققت نهضةً تنمويةً بالمفهوم العالمي أكدت أن الاستثمار هو مفتاح النجاح والطريق الوحيد إلى التقدم.
وقد حاولت مصر منذ تسعينيات القرن الماضي استنباط تجربةٍ اقتصاديةٍ ناجحةٍ إلا أنها لم تنجح بسبب معوقات الاستثمار وعزوف كبار المستثمرين عن ضخ أموالهم في اقتصادٍ غير مُستقرٍ وبيروقراطيةٍ مُتجذرةٍ وبنيةٍ تحتيةٍ متهالكةٍ، ومن ثم ظلت أبواب الاستثمار موصدةً وقنوات الاتصال مع كبار المستثمرين في العالم مُغلقةً، حتى تنبهت دولة 30 يونيو إلى الأمر وأيقنت أن تحقيق مُستهدفات النهضة الشاملة التي اتخذتها هدفًا رئيسًا يستوجب هدم كل هذه المعوقات وفتح جميع الطرق أمام رؤوس الأموال.
فقامت بمد الطرق وتشييد الجسور وتطوير الخدمات وتحديث التشريعات مما وفر لأول مرةٍ مناخًا استثماريًا جاذبًا لرؤوس الأموال العربية والأجنبية التي وجدت في مصر فرصةً ذهبيةً لضخ الأموال والاستفادة من الموارد والفرص الاستثنائية، وكذلك حالة الأمن والاستقرار التي تنعم بها مصر لإقامة المشروعات وتحقيق أعلى ربحيةٍ من وراء هذه الاستثمارات.
ويمكن القول أن مصر تشهد حالةً من حالات اكتشاف الذات والقدرات والتنقيب عن الفرص في كل المجالات. فعلى مدى العقود الماضية لم تكن هناك هوية اقتصادية مصرية، فهي بالرغم أن لديها النيل والأراضي الشاسعة، لكن لا يمكن أن يُقال عنها أنها دولة زراعية لتصدرها قائمة الدول المستوردة للقمح، كما أنه رغم أن لديها أيضًا ربع آثار العالم والشواطئ الساحرة، ولكن لا يمكن أن نُطلق عليها دولة سياحية لتدني عدد السائحين مقارنةً بهذه الإمكانيات.
كما لديها الموارد الطبيعية والبشرية والعقول المُتعلمة والخبرات المُتمرِّسة إلا إنها لم تكن دولةً صناعيةً لغيابها عن خريطة الصناعة العالمية وبالتالي ظل الاقتصاد المصري بلا هويةٍ ودون عنوانٍ حتى شرعت القيادة السياسية في تنفيذ خطةٍ نهضويةٍ شاملةٍ تُعيد تعريف الأمور بمسمياتها وتَرسم مستقبل دولةٍ لها هوية اقتصادية ووطنٍ يمتلك القدرة الشاملة. وكانت البداية بالمرافق والخدمات التي أنفقت عليها الدولة نحو 500 مليار دولار لتكون بمثابة منصة الانطلاق الكبرى للاستثمار وجذب أصحاب رؤوس الأموال.
ثم جاءت رؤية 2030 التي بلورت هويةً اقتصاديةً واضحةً ووضعت مُستهدفات تنموية واستثمارية واضحة تُحقق خطة الدولة في التنمية الشاملة، وتُركز على تعظيم كل الموارد والمقومات المتاحة في الزراعة عبر استصلاح وزراعة ملايين الأفدنة واستهداف الاكتفاء الذاتي من القمح خلال العام المقبل.
أما النهوض بالصناعة فيأتي من خلال توطين العديد من الصناعات واستهداف رفع عدد المصانع من 70 ألف مصنع إلى 100 ألف مصنع بحلول 2030. أما في السياحة فقد أكدت المؤشرات حدوث قفزةٍ في عدد السائحين هذا العام مع استهداف تحقيق 30 ألف سائح بحلول 2030. إذن، ووفق هذه الرؤية أصبح للاقتصاد المصري ثلاثة أجنحةٍ تقفز به إلى المستقبل بخطى وثَّابةٍ وبرنامج عملٍ واضحٍ يرسم ملامح جمهوريةٍ جديدةٍ تُعلي قِيَم العمل والإنتاج وتَستهدف النهضة الشاملة.
ولعل من يَرصد حركة الاقتصاد المصري خلال العقد الماضي مرورًا بـ رؤية 2030 سيتأكد أننا أمام اقتصادٍ جاذبٍ للصفقات الكبرى بعد أن بات يمتلك أدوات التطور وعناصر القوة التي تُؤهله للتقدم وامتصاص الصدمات في مواجهة التحديات الخارجية، وهو ما جعله محل ثقةٍ من كبرى الشركات العربية والأجنبية التي باتت على قناعةٍ كاملةٍ أن مصر هي الملاذ الآمن للاستثمارات الناجحة والربحية العالية.
وقد رأينا خلال العامين الماضيين حجم التدفقات المليارية الضخمة التي دخلت مصر عبر صفقاتٍ كبرى في الساحل الشمالي والبحر الأحمر، وكان آخرها قبل أيامٍ بالتوقيع على صفقة شراكة مع أكبر الشركات القطرية لتنفيذ مشروعٍ عالميٍ بمنطقة علم الروم بالساحل الشمالي باستثمارات تصل إلى نحو 30 مليار دولار ويوفر نحو 250 ألف فرصة عمل. والمؤكد أن هذا المشروع يعكس ثقة المستثمرين في مناخ الاستثمار الذي حقق زيادةً في تدفقات الاستثمار خلال هذا العام بنسبة 25%.
مؤشرات النجاح كثيرةٌ وأدلة سلامة المسار عديدةٌ، ويكفي فقط أن نكتشف إمكاناتنا ونُقدِّر قدراتنا وهي بالفعل قدرات وإمكانات دولةٍ عظمى. وهنا أشير فقط إلى مشهدين، الأول وهو نعيشه هذه الأيام منذ افتتاح المتحف الكبير ممثلًا في حجم الإقبال الضخم من الأجانب على زيارة المتحف والذي وصل يوم الجمعة إلى الطاقة القصوى له، وهو ما يعني أن هناك دخلًا دولاريًا يوميًا من هذا المشروع الكبير، بينما كانت القطع الأثرية المعروضة به مهملةً في المخازن دون استغلالٍ على مدى عقود. أما المشهد الثاني فهو في الساحل الشمالي الذي ظل لعقودٍ أيضًا ومنذ الحرب العالمية الثانية غير مُستغلٍ ولم يفكر أحدٌ في الاستثمار به، ورأينا حين تحركت الدولة وقامت بتنميته أصبح وجهةً عالميةً للمستثمرين ويدرُّ مليارات الدولارات على خزينة الدولة ويوفر ملايين فرص العمل أمام الشباب. وكان يمكن ألّا يتحقق ذلك لو لم تَمْتَد يد التنمية والتعمير.
الشاهد أن مصر زاخرةٌ بالثروات ومليئةٌ بالفرص، وقد حان الوقت لاستغلال هذه الموارد في رفعة الوطن وتحسين معيشة المواطنين الذين تحملوا عن طيب خاطرٍ أعباء السنوات الماضية التي قامت فيها الدولة بتأهيل المناخ وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ورسم مساراتٍ جديدةٍ لجذب رؤوس الأموال للاستثمار على أرض مصر.
شكرًا لكل من فكَّر وتَدبَّر ثم أنجز.
[email protected]