أسعد أوقات زيارة اليابان كما عشتها هي تلك المتزامنة مع الاحتفاء بحلول فصل الخريف، حيث تتزين الطبيعة والجبال بلوحةٍ بديعةٍ من أوراق الأشجار ذات الألوان الذهبية والبرتقالية والحمراء، ويُضفي عليها الساموراي لمساته السحرية الخاصة.
إلى جانب الاحتفاء بحلول فصل الخريف، عشت أسعد لحظات العمر من الشعور بالاعتزاز والفخر، في كل مكان وطِئته أقدامي على مدار أسبوعٍ كاملٍ في بلاد الشمس المشرقة، وأنا أرى فرحة اليابانيين، بافتتاح المتحف، وكأن المشروع الحضاري هو مشروع ياباني في الأساس، وقد نجحت السواعد المصرية-اليابانية المخلصة في إنجازه على نحوٍ شاهدته الملايين، عبر المنصات الفضائية والرقمية.
الصورة الحية للفرحة بافتتاح المتحف، تجسدت في الاحتفال المهيب، الذي نظمته السفارة المصرية بطوكيو مساء يوم الثلاثاء الماضي، بالحضور المتنوع والحاشد من كل ألوان الطيف اليابانية-المصرية، يتقدمهم السفير النشيط، راجي الأتربي.
أعود إلى موضوع عنوان المقال، حيث وصلت اليابان بعد مرور يومين -فقط- من مغادرة الرئيس ترامب، وقد دشنت زيارته لطوكيو، إضافةً لأنشطة سياسية ودبلوماسية مكثفة أخرى، أول اختبار لرئيسة الحكومة، تاكايتشي ساناي، الطامحة للفوز بلقب المرأة الحديدية بنسخة يابانية، على غرار البريطانية مارجريت تاتشر.
كثيرة هي المشكلات الداخلية والهموم الخارجية التي تواجه اليابان حاليًا، مما دفع المراقبين -عن كثب- للشأن الياباني لتشبيه الأوضاع المتفاقمة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، بمشكلات خريف العمر التي يمر بها الإنسان العادي، وقد تعرضت للبعض منها في مقالٍ أسبق بعنوان "ولادة متعثرة لأول امرأة تحكم اليابان".
قولًا واحدًا، أرى أنه لا حظوظ لنجاح الاستقرار السياسي الداخلي والخارجي لليابان، ولا رهان يُرجى على بقاء تاكايتشي ساناي بالحكم لأطول فترةٍ ممكنةٍ (حتى مع الدعم المُعلن والمُطلق الذي قدمه الرئيس ترامب)، أقول لا حظوظ للمراهنة على مثل هذا النجاح، ما لم تحدث معجزة، تُثبِّت أقدام رئيسة الحكومة، وتَرفع أسهمها لعنان السماء في استطلاعات الرأي العام، وتنتشل حزبها الليبرالي الديمقراطي الحاكم منذ 7 عقود من تهم الفساد وحالة الوهن والشيخوخة!
ضمن جهدها المضنى لإثبات جدارتها القيادية للدبلوماسية اليابانية، تحدثت السيدة تاكايتشي ساناي عن زعماء 3 دول مهمة التقتهم أواخر الشهر الماضي بعد مرور نحو أسبوع فقط من توليها منصبها، ووصفت ترامب بأنه "مرح ويتمتع بروح الفكاهة"، مؤكدة أنهما تحدثا في جو مريح، لدرجة أنها لم تشعر أنه لقاؤهما الأول، وتمكن الزعيمان-كذلك-من الخوض في حوار دسم، يتناول قضايا شائكة.
فيما يتعلق بالرئيس الصيني شي جين بينج، ذكرت تاكايتشي إنها تعتقد أنه شخص جاد، موضحةً أنها تمكنت من إجراء محادثات معمقةٍ معه، وبناء علاقةٍ تتيح لهما مناقشة مخاوفهما بصراحةٍ، أما رئيس كوريا الجنوبية لي جيه ميونج فقد وصفته بأنه يبدو أنه قد درس سيرتها جيدًا، وأضافت أنه أشار إلى أن أيًا منهما لم يولد لعائلةٍ سياسيةٍ، وأن كليهما بذل جهدًا كبيرًا للوصول إلى منصبيهما الحاليين.
أكدت السيدة تاكايتشي ساناي إنها لمست اهتمام الرئيس الكوري الجنوبي بها وباليابان، وشعرت بأنه قائد يمكنها أن تُشارك نقاط الاهتمام معه، فيما يتعلق بالتعاون الثلاثي بين اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى وضع العلاقات اليابانية-الكورية الجنوبية، في ظل البيئة الإستراتيجية الحالية.
إضافةً إلى واشنطن وبكين وسول، تتضمن البيئة الإستراتيجية المحيطة باليابان، علاقات طوكيو المتدهورة جدًا مع موسكو، للدرجة التي أخضعت رئيسة الحكومة اليابانية، نفسها، للعقوبات الروسية، مُذ كانت مسئولةً عن سياسات حزبها الحاكم.
كذلك، تُثقل أجواء البيئة الإستراتيجية المحيطة باليابان استمرار التهديدات النووية والصاروخية الكورية الشمالية، وما تُمثله من تهديدٍ مباشرٍ للأمن القومي الياباني.
من بين الأمور العاجلة، المتعلقة بفصل الخريف، وقد فرضت نفسها ضمن أجندة أولويات تاكايتشي، ما يُسمى "الحرب على أراضي اليابان بين الدببة والبشر"، بعد أن لقي 13 شخصًا مصرعهم، ووقع العديد من الإصابات، نتيجةً لمثل هذه الحرب!
يبدو أن الدببة، الذين تتصدر هجماتها عناوين الأخبار باليابان الآن، قد أصابها ما يُعانيه اليابانيون، أنفسهم، من نقصٍ حادٍ في الموارد الطبيعية، وتحديدًا، في منتج "جوز البلوط"، مصدر غذاء الدببة الرئيسي في فصل الخريف، مما دفعها -الدببة- لمغادرة الجبال والغابات التي تسكنها منذ القِدَم، وتُهاجم بلا هوادة السكان الآمنين.
ظاهرة عدد القتلى والجرحى في صفوف اليابانيين نتيجةً لهذه الحرب مع الدببة، لم تكن هي وحدها السبب المباشر في استنفار كل أركان الحكومة من جيشٍ وشرطةٍ وإداراتٍ محليةٍ، بل الخسارة الفعلية لحقت بقطاع السياحة بسبب إغلاق مناطق شاسعةٍ من الحدائق والغابات الجبلية، التي تجتذب السائحين في فصل الخريف.
أول ما يلفت النظر لدى الوصول إلى أكبر مطارات العاصمة، ناريتا، هو الكثافة غير المسبوقة للسائحين، حيث يُتوقع أن تحقق اليابان رقمًا قياسيًا هذا العام، 2025، ليبلغ نحو 40 مليونًا، وقد بلغ العدد 20 مليونًا، أي النصف في 30 يونيو.
في النصف الأول من 2025، كان السائحون الصينيون هم الأكثر عددًا، وبلغوا نحو 800 ألفًا، تلاهم الزوار من كوريا الجنوبية بنحو 730 ألفًا، تايوان 585 ألفًا، والولايات المتحدة بنحو 345 ألفًا، وتتطلع اليابان لتحقيق أرقامٍ سياحيةٍ قياسيةٍ أكثر، في ضوء: انخفاض سعر صرف الين، تخفيف قيود السفر، تزايد الإقبال على الثقافة اليابانية، تنوع عناصر الجذب السياحي، إضافةً للمناظر الطبيعية الخلابة.
هل من الممكن أن يتأثر تدفق أعداد السائحين الأجانب لليابان، وتحديدًا، من أكبر موردين، أي من الصين وكوريا الجنوبية، نتيجةً لما أُشيع عن التوجهات الأولية لسياسات حكومة تاكايتشي ساناي، الأمنية والاقتصادية، مع مُحيطها الإقليمي؟
الملاحظة الأخرى التي لمستها في طوكيو تتعلق بشيوع حالةٍ من الاستياء الشعبي المتزايد نتيجةً لارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الشكوى من تسارع الشيخوخة السكانية، وما يترتب عليهما من أعباء الرعاية الصحية، ومُستحقات المعاشات.
أحدث استطلاع للرأي أظهر تحولًا سلبيًا كبيرًا في مواقف اليابانيين تجاه الزواج وإنجاب أطفال، بسبب الأعباء المالية وتحديات تربية الأبناء في المجتمع المعاصر.
على صعيدٍ آخر، أظهر تقرير صدر حديثًا بشأن الوقاية من الانتحار باليابان أن عدد طلاب المدارس الذين انتحروا عام 2024 بلغ 529 طالبًا، وهو أعلى رقم منذ عام 1980، فيما انخفض إجمالي حالات الانتحار بمقدار 1517 حالة عن عام 2023 ليصل إلى 20320 حالة، وهو ثاني أدنى مستوى منذ بدء الإحصاءات عام 1978.
الجديد والطريف في تدريبات اليابانيين على مواجهة الكوارث الطبيعية، مراعاة رفع مستوى الوعي العام بأهمية الاستعداد المُسبَق لتفادي المشكلات المرتبطة بالحيوانات الأليفة بمراكز الإجلاء، وتعلُّم طرق التعامل معها في أوقات الأزمات.
أخيرًا، أظهرت إحصاءات رسمية يابانية أن متوسط طول الفتيان اليابانيين في سن السابعة عشرة ارتفع من 160.6 سنتيمترًا عام 1926 إلى 170.8 سنتيمترًا عام 2024، أي بزيادة قدرها 10.2 سنتيمترات. كما ارتفع متوسط طول الفتيات في العمر نفسه من 150.3 سنتيمترًا إلى 158.0 سنتيمترًا خلال الفترة ذاتها. وتحتفظ اليابان بسجلات لمتوسط طول ووزن الطلاب منذ عام 1900.
على صعيد الوزن، ارتفع متوسط وزن الفتيان اليابانيين في سن السابعة عشرة من 52.5 كيلوجرامًا عام 1926 إلى 62.2 كيلوجرامًا عام 2024. وفي المقابل، ارتفع متوسط وزن الفتيات من 48 كيلوجرامًا إلى 52.5 كيلوجرامًا خلال الفترة نفسها.
تبقى الإشارة لأمر داخلي آخر، أصبح مصدر قلقٍ، ويشغل اليابانيين والمقيمين، يتعلق بالارتفاع المتواصل في أعداد الأجانب الذين يأتون للعيش والعمل، وحتى السياحة، وقد أكدت رئيسة الحكومة، تاكايتشي أن هناك مجالات تتطلب عمالةً أجنبيةً، غير أنها سوف تدير هذه المسألة الحساسة على نحوٍ مناسبٍ، مستقبلًا.
[email protected]