رؤى .... "مذبحة المنشار"... صرخة فى وجه الدراما والأسرة والمدرسة

6-11-2025 | 17:13
رؤى  مذبحة المنشار صرخة فى وجه الدراما والأسرة والمدرسة رؤى .... "مذبحة المنشار"... صرخة في وجه الدراما والأسرة والمدرسة

بقلممدحت شنن

موضوعات مقترحة

فى غضون شهر أكتوبر 2025 وفى محافظة الإسماعيلية، شهدنا جريمةً تقشعرّ لها الأبدان، جريمةً خرجت من رحم الخيال المريض إلى أرض الواقع المظلم.

طفل لا يتجاوز عمره 13 عاما، فى عمر الزهور، يقتل صديقه ثم يُقطّع جسده بمنشار كهربائي، لا لأن بينهما ثأرًا أو مالًا أو خيانة، بل لأن "مشهدًا دراميًا" فى مسلسل أجنبى ألهمه الطريقة!ز

اعترف القاتل فى برودٍ يشبه صقيع المقابر بأنه استعاد فى ذهنه مشاهد المسلسل وخطوات الجريمة كما لو كانت درسًا تطبيقيًا، ثم نفّذها كما رآها على الشاشة.

يا للهول!

أيّ زمنٍ هذا الذى أصبح فيه الخيال المريض مُعلّمًا؟ وأيّ فنٍّ هذا الذى يزرع فى عقول الصغار لذّة الدم بدل لذّة الجمال؟

لقد تجاوزت الدراما الحديثة حدود المتعة والفكر، لتصبح فى كثيرٍ من الأحيان مختبرًا لتجارب العنف والانحراف.

تُغلف القتل بالموسيقى، وتُجمّل الجريمة بالتصوير البطيء، وتُقدّم السفّاح فى هيئة البطل المظلوم الذى ينتقم، فيتعاطف معه المشاهد الصغير قبل أن يفهم معنى الرحمة أو القانون.

أما الأغاني، فقد تحولت عند البعض إلى دروس فى الإنفلات الأخلاقي، تُعلّم الصبية أن الرجولة غلظة، وأن الشهامة سذاجة، وأن الفساد طريق الشهرة والمال.

حين يُربّى جيلٌ كامل على الإعجاب بالمجرم الوسيم، والبطلة الجريئة التى تكسر القيم باسم الحرية، وحين تصبح المخدرات والمشاجرات مادة للترفيه، فلا عجب أن يخرج من بينهم من يقتل بدمٍ باردٍ، ويُبرر جريمته بمشهدٍ شاهده أو أغنيةٍ حفظها.

دور صُنّاع الدراما والفن

وعلى الرغم من أن صُنّاع الدراما والفن، يمسكون بمفاتيح الوعى الجمعي، إلا أن بعضهم حوّلوها إلى مفاتيحٍ للجحيم. ففقد الفن رسالته السوية، وصار سُمّ زعاف. ذلك لأن المحتوىالمسلسل أو الفيلم أو الأغنية أو البرنامجالذى يُلهم القتل ليس إنجازًا فنيًا، بل خطيئة أخلاقية تستوجب العقاب الرادع لصُناعه، فضلا على الاعتذار للأمة بأسرها.

إن ما حدث فى الإسماعيلية ليس جريمة فرد، بل جرس إنذارٍ مرعب لمجتمعٍ ترك أبناءه فريسةً لشاشاتٍ تُعيد تشكيل ضمائرهم فى غياب التربية السليمة.

علينا أن نعيد النظر فى كل ما نقدمه لأبنائنا، قبل أن نجد كل بيتٍ يلد قاتلًا صغيرًا، وكل مدرسةٍ تُخرّج عقلًا مشوّهًا يخلط بين البطولة والجريمة.

إنها صرخة نحو الإصلاح، تقتضى إتخاذ خطوات فاعلة للتصدى لهذا الخطر الذى سيصيب مجتمعنا بالانهيار. إنها معركة وجود حتمية، تحقيق النصر فيها يقتضي  إعادة ضبط بوصلة الدراما من خلال خضوع الأعمال الفنية لرقابة فكرية وأخلاقية لا تقتل الإبداع، لكنها تمنع تسلل السموم إلى وجدان الناس.

مسئولية الأسرة والمدرسة

فضلا عن مسئولية الأسرة، بالانتباه واليقظة وعدم ترك أبنائنا فريسةً للشاشات دون توجيه. فالحاجة مُلحة للحوار والنقاش معهم، وتعليمهم أن ما يرونه ليس واقعًا، بل تمثيلٌ له تبعات إنسانية مروّعة إن قُلد فى الحقيقة.

وفى هذا الصدد أيضا يبرز  دور المدرسة، لاسيما وأن التعليم ليس كتبًا فقط، بل تربية ووعي. ومن ثم يجب أن تدخل دروس "التربية الإعلامية" إلى المناهج لتعلّم الطالب كيف يفرّق بين الفن والواقع.

والإعلام

وبالتوازى مع ما سبق يأتي  دور الإعلام، بضرورة توقف وسائل الإعلام عن الترويج الأعمى لحوادث القتل البشعة، التى صارت مادة أساسية للعديد من البرامج، كما يجب التوقف الفورى عن الترويج للمسلسلات والأغانى التى تمجّد الجريمة أو الانحراف، وأن تلتزم برفع مستوى الذوق العام. وأن تُفرض عقوبات رادعةجنائية ومدنية وإداريةعلى الجهة التى تخرج عن هذا النسق.

إن تلك المأساة ليست مجرد حادثةً عابرة، بل صرخةً مدوّية فى وجه الدراما والإعلام ، والفنٍ الذى تنكّر لرسالته.

فيا مجتمعنا، أفيقوا قبل أن نصحو على جيلٍ لا يفرّق بين دمٍ يُراق على الشاشة ودمٍ يُراق فى الواقع.

اقرأ أيضًا: